الصوت الذي ارتفع أخيرا بلسان «جون بوغارد» مقرر الأمم المتحدة لحقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية متهما الأمانة العامة للمنظمة الدولية بالانحياز لإسرائيل، لم يكن هو أول صوت إنساني يرتفع ولا أعلى صوت دولي يرتفع فقد سبقته عشرات الأصوات ولكن لا حياة لمن تنادي!
سبق ذلك صوت الدكتور «أشرف البيومي» منسق الأمم المتحدة في العراق لبرنامج النفط مقابل الغذاء، وثلاث استقالات لشخصيات دولية في العراق ولكن، لا قدرة للأمم المتحدة في ظل هيكليتها الحالية على أداء دورها في التعامل مع القضايا الدولية بأمانة كاملة أو عدالة كاملة، بسبب وقوع الأمانة العامة للمنظمة ووكالاتها المتخصصة للضغوط الأميركية،.
وليس أدل على ذلك من جعل إسرائيل دائما فوق القانون الدولي وخارج دائرة العقاب أو حتى الإدانة على الجرائم اليومية التي ترتكبها بحق الشعب الفلسطيني، والاعتداءات والانتهاكات المستمرة للأجواء اللبنانية وأخيرا السورية بغير إدانة واحدة من الأمم المتحدة ولا من مجلس الأمن، في حين تصدر البيانات من البيت الأبيض لتتبعها الإدانات من الأمين العام ومن مجلس الأمن بإدانة عملية فدائية يقوم بها فرد فلسطيني واحد إذا أصاب فردا واحدا في إسرائيل.
«بوغارد» كشف في حديثه «للجزيرة» أن هذا الانحياز يرجع لتلقي بان كى مون «تعليمات من واشنطن»، وأوضح أن هناك فرقا بين تعامل وكالات الأمم المتحدة على الأرض مع الأزمة الإنسانية التي يعانى منها الشعب الفلسطيني خصوصا في قطاع غزة بسبب الحصار الدولي المفروض، وبين الأمم المتحدة في نيويورك».
وقال: «الأمين العام ومن يعملون معه يبدون مصممين على تبني خط موال لإسرائيل، وهذا منطقي لأنهم يفعلون ذلك بتعليمات من واشنطن»، وكشف بوغارد أن الأمم المتحدة واللجنة الرباعية الدولية تتجاهلان تقاريره وتوصياته بشأن انتهاكات إسرائيل لحقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية وتتصرف برؤية أحادية بسبب انحيازهما لإسرائيل، وعندما يعلو صوت بوغارد شاكيا أن المنظمة في نيويورك لا تنظر في توصياته المتعلقة بمعاناة الشعب الفلسطيني وانتهاكات إسرائيل لحقوق الإنسان، فهذا يكشف واقعا خطيرا في فلسطين ووضعا أمميا بائسا وفاقدا للضمير، يستدعي وقفة عربية وإسلامية بل ودولية للمحافظة على حيدة وسلامة أداء المنظمة الدولية.
إن هذه الرؤية الأحادية بسبب الضغوط الأميركية تستلزم التصدي العربي والدولي لرفضها بصوت عال، فإن الصمت عن إعلان الرفض سوف يوجه رسالة خاطئة لهذه الإدارة التي تتعامل مع الأمم المتحدة ووكالاتها المتخصصة، كأنها إدارات ملحقة بالإدارة الأميركية في واشنطون بالقبول.
ومازلنا نذكر التهديد الأميركي للدكتور «بطرس غالي» الأمين العام للأمم المتحدة الأسبق بعدم إعلان تقرير اللجنة الدولية لتقصى الحقائق لمذبحة «قانا»، لكنه بموقف إنساني وسياسي مسؤول لم يأبه بالتهديد الأميركي وأذاع التقرير الذي يدين جريمة إسرائيل البشعة ليس على الشعب الفلسطيني واللبناني فقط، ولكن على أحد مواقع الأمم المتحدة في لبنان أيضاً!
وهانحن نتابع الحملة الأميركية الفرانكو أميركية ضد المواقف الشجاعة للدكتور «محمد البرادعي» بسبب دعوته للحلول السلمية وعدم الانزلاق إلى الحرب التي ستكون كارثة جنونية ونتابع أيضاً الأصوات العربية الخافتة والخجولة في دعم موقف الرجل في مواجهة سياسات الإملاء والهيمنة التي تمارسها واشنطن على المنظمات الدولية!
وليس هناك غرابة في انحياز الإدارة الأميركية للمعتدين المحتلين الصهاينة في فلسطين، حيث أنهما معا من نفس الشاكلة، وأوضح الأمثلة على ذلك هو ما تقوم به قوات الاحتلال الأميركية وشركات المرتزقة الأمنية العاملة معها من جرائم بحق الشعب العراقي، ومن انتهاكات للقوانين الدولية، بغير مساءلة قانونية، حيث أن الاحتلال الأميركي فرض على المنظمة الدولية جعل ما تقوم به قواتها في العراق غير خاضع للمحاكمات.
لكن الغريب أنه كلما زادت الإدارة الأميركية الحالية في غيها وغطرستها ازداد بعض العرب تقربا إلى الولايات المتحدة وقبولا برئاسة «رايس» لاجتماعاتهم الجماعية ومسايرة لنزعاتها الحربية العدوانية.
والمطلوب صوت عربي وإسلامي جماعي شجاع لدعم الحق العربي ولرفض الباطل الأميركي أو تكون الرسالة الخاطئة هي «افعلوا ما شئتم فنحن لم نعد نرى أو نسمع أو نتكلم» !