لا شك أن رئيس تيار المستقبل النائب اللبناني سعد الحريري، الذي يحل غداً الخميس ضيفاً على الرئيس الأميركي جورج بوش، لم يكن يدرك حين كان يرافق والده رئيس الوزراء الراحل رفيق الحريري في بعض مهامه ولقاءاته السياسية الخارجية، أن الأيام التي ستجمعه في لقاء ثنائي مع رأس السلطة الأميركية جورج بوش، ستأتي بهذه السرعة، لا بل لم يفكر يوما أن القدر سيبعده مرة واحدة عن الأعمال التي تصدى لها تدريجيا بعد تفرغ والده للعمل السياسي في وطنه الأم لبنان.
..ولكن تبقى للقدر الذي كان ولا يزال يتحكم بمصائر اللبنانيين، حزنا أو فرحا وتهجيرا داخليا أو هجرة خارجية، أحكامه ومساراته التي لم توفر عائلاته السياسية وقياداته الحزبية، فالقدر الذي وضع رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي النائب وليد جنبلاط قبل 30 عاما في سدة رئاسة أكبر تجمع سياسي لبناني (الحركة الوطنية اللبنانية) غداة اغتيال والده الشهيد كمال جنبلاط في 16 مارس 1977، هو الذي وضع سعد الحريري في سدة رئاسة أكبر تكتل نيابي غداة اغتيال والده الشهيد رفيق الحريري في 14 فبراير 2005.
والقدر الذي ساق للشاب الناشئ يومها وليد جنبلاط، اثنين من أبرز القيادات السياسية الثورية والفكرية التي عرفتها المنطقة العربية في القرن العشرين الماضي: ياسر عرفات ومحسن إبراهيم، ليتتلمذ سياسيا على أيديهما، هو الذي ساق ويسوق اليوم للشاب الناشئ سعد الحريري قائدين مخضرمين من أبرز القيادات السياسية اللبنانية المعاصرة: وليد جنبلاط وسمير جعجع ليتتلمذ سياسيا ولبنانيا على أيديهما، وهو على أبواب مرحلة مصيرية يمر بها لبنان والمنطقة.
وفيما التحليلات تحاول قراءة الأبعاد السياسية المحلية للقاء بوش ـ الحريري، وهي تحليلات يمكن حصرها في تفسيرين اثنين يقول أولهما إنها إشارة أميركية جدية جديدة لدعم موقف الأكثرية في انتخابات الرئاسة اللبنانية في الأزمة السياسية الحادة التي يشهدها لبنان مع بداية المهلة الدستورية لانتخاب الرئيس، فيما يرى التفسير الثاني أن تحرك الحريري سواء في الداخل (لقاء البطريرك الماروني نصر الله صفير ولقاء رئيس مجلس النواب نبيه بري).
أو في الخارج (لقاء بوش) لا يعدو كونهما مناورة سياسية للأكثرية طالما بقي التناقض بين تصريحاته وتصريحات حليفيه جنبلاط وجعجع قائما على الرغم من تأكيده أن تحركه يتم بالتوافق مع حلفائه في قوى 14 آذار وتحديدا مع جنبلاط وجعجع، تبدو جميع القوى السياسية المعنية بالاستحقاق في سباق مع الزمن، وها هو الرئيس بري يمنح نفسه هامشا واسعا للتحرك بين جميع الأطراف الداخلية عبر تكليف لجنة من كتلته النيابية القيام بالاتصالات اللازمة مع الفرقاء السياسيين ليتفرغ هو للتنسيق مع الموفدين من الخارج.
وفيما بدت المواقف المعلنة لكل من الأكثرية والمعارضة على حالها لجهة إعلان المعارضة أن موقفها من أي مرشح للرئاسة هو رهن بموقفه من الدفاع عن المقاومة، واشتراط الطرف الآخر، أي الأكثرية، التزام أي مرشح للرئاسة بتطبيق القرارين الدوليين 1559 و1701 والالتزام بعمل المحكمة الدولية التي ستنظر بقضية اغتيال الرئيس رفيق الحريري.
فإن المتابعين للتحرك السياسي الميداني يقولون إن المعارضة وعلى رأسها «حزب الله»، تحتفظ باسم رئيس التيار الوطني الحر ميشال عون كمرشح تصادمي، إلا أنها تطرح في الكواليس أسماء أخرى أبرزها اسم جان عبيد، فيما اتضح نهائيا أن المرشحين الجديين للأكثرية هما نسيب لحود وبطرس حرب.
وفي خضم الجدل المعلن والذي يشير إلى ان الأزمة ما زالت أسيرة المراوحة ما يحمل استبعاد أن تفضي الاتصالات والتحركات الراهنة إلى تحقيق أي اختراق جدي في جدار الأزمة أو توافق على اسم الرئيس، يبدو الصمت الذي يلتزمه النائب جنبلاط مستهجنا، إلا أن مصادره ترى في هذا الصمت أمرا طبيعيا ويتيح هامش تحرك لحليفه سعد الحريري الذي يثق أنه لن يذهب إلى تسوية منفردة من دونه.
بالإضافة إلى حرصه على المحافظة على صورته الراهنة أمام الرأي العام وتحديدا الرأي العام المسيحي الذي يتهمه بالتقلب، وهو بعد أن حمل الموفدين إليه من قبل الرئيس بري موقفه الواضح من الأزمة الراهنة، يريد أن يثبت للقيادات المسيحية أن التغيير في المواقف جاء هذه المرة من قبلهم بالإشارة إلى موقف العماد عون ونتائج انتخابات جبل لبنان الفرعية التي أتت بمرشح الأخير.
وفي مقابل التساؤل عن أسباب صمت جنبلاط يتساءل أطراف النزاع المتمترسون خلف مواقفهم الثابتة، عن أسباب تفاؤل الرئيس بري بأن انتخاب رئيس جديد للجمهورية اللبنانية حاصل وربما في جلسة نيابية قبل الموعد المحدد في 23 أكتوبر، إلا أن الرد سرعان ما يأتيهم من خلال ارتباط أزمة لبنان بأزمة المنطقة التي تسمح بحلول رئيس يأخذ بدور الدولة المقاومة القادرة على حماية كل حدودها ريثما تحل ظروف الحل الدولي للأزمة، وهو طرح يعلم الرئيس بري من خلال اطلاعه على مواقف الداخل أن جميع الأطراف، بمن فيها سمير جعجع والقوات اللبنانية، باتت تؤمن به للخروج من الأزمة الداخلية، وإن سبق لها أن اختلفت حول تفرد طرف واحد بالدور المقاوم.
أما السؤال الذي تصعب الإجابة عليه راهنا فهو: هل يحمل سعد الحريري هذه الرؤية معه إلى واشنطن أم أن هذا الدور ما زال معقودا لشخصية بحجم والده الراحل؟
كاتب لبناني
