بالرغم من التوافقات المعلنة والقرارات والترتيبات الدولية والإقليمية، تبدو أزمة دارفور وكأنها تراوح مكانها. وكأن قدرها أن لا تبارح مربع الالتهاب، تطلع من تعقيد لتدخل في آخر يزيد من انسداداتها.

تتكثف وتنشط اللقاءات والوساطات والضغوط فتثمر بعض الهبوط في درجة حرارة غليانها. ثم فجأة تعود من جديد إلى دورة التأزيم. تحصل تنازلات ومرونة، من هنا؛ ليقابلها تصعيد وتعجيز ورفض من هناك. وأكثر من مرة بدا وكأنها باتت تقف على عتبة انفراج ما. لكن سرعان ما يحصل التخريب على المحاولات وإفساد الفرصة المتاحة، وكأن التسوية كانت دوماً مستهدفة بالاغتيال.

آخر حلقة في هذا المسلسل كانت في الهجوم المدبر وغير المبرر، الذي تعرضت له مجموعة من أفراد قوة الاتحاد الإفريقي في الإقليم؛ والذي أدى إلى مقتل عشرة من عناصرها وفقدان بين 30 و50 آخرين، العملية أثارت ردود فعل ناقمة، من الخرطوم والاتحاد الإفريقي والأوروبيين، فضلا عن واشنطن والأمم المتحدة.

وكالعادة بدأ التراشق بالاتهامات، في خصوص المسؤولية عن الحادثة. الفصائل المتمردة وجهت إصبع الاتهام إلى فصيل منشق، عن إحداها، آخرون أشاروا إلى جهات ثانية من المتمردين. لكن بعيداً عن هذا التراشق يبقى الأهم في هذا التطور توقيته. فهو يأتي عشية مؤتمر التسوية ـ المصالحة، المزمع عقده في ليبيا، أواخر الشهر الجاري.

وذلك في ظل معطيات بدت أنها واعدة أكثر من أي مرة سابقة. كافة الأطراف المعنية، الداخلية والإقليمية ـ ماعدا فصيل واحد من المتمردين ـ كانت قد وافقت على الحضور والمشاركة.

الجاهزية والاستعداد لاستكمال مسيرة التسوية، من خلال التعاون مع الاتحاد الافريقي والأمم المتحدة لنشر قوات دولية ـ افريقية ـ 26 ألفاً ـ في الإقليم، قطعت شوطاً بعيداً وفعلاً كانت طلائع هذه القوات، الإفريقية منها، قد بدأت تصل إلى دارفور؛ تنفيذاً لقرار دولي وافقت عليه الخرطوم.

وكان وفد «الحكماء الثلاثة» ـ توتو وكارتر والإبراهيمي ـ قد وصلوا إلى العاصمة السودانية؛ في إطار الدعم والتزخيم لمؤتمر ليبيا القريب. في هذه اللحظة التي بدا فيها أن صيغة الخلاص قد دخلت طور التبلور الأخير، يحصل الانقضاض على قوات السلام الإفريقية. وهو الأعنف والأكبر من نوعه.

ثمة تفسيرات أن الرسالة من هذا الهجوم موجهة إلى مؤتمر طرابلس، بهدف «حجز» مكان للجهة الفاعلة، على طاولته، لكن المعروف أن الدعوة توجهت إلى كافة القوى والفصائل، للمشاركة في المؤتمر، من رفض، ربط حضوره بشروط مسبقة.

وبالتالي فان العملية قد تكون أيضا وربما أولا وأخيرا، بمثابة «إنذار مبكر» لقوات السلام الدولية ـ الإفريقية واستطرادا لمسيرة التسوية برمتها؛ وبالتحديد لمؤتمر طرابلس؛ إما لاغتياله وإما للتهديد باغتيال مقرراته. وهنا ينبغي التفتيش عن الأيادي الواقفة وراء عملية المطاردة والاستهداف، التي طالما تعرضت لها مسيرة السلام في دارفور.

بيد أن الأهم من البحث عن خطط ومشاريع التخريب على السلام ومن يضعها ويحركها، هو أن لحظة اليقظة ومراجعة الحسابات في ضوء جردة خسائر أزمة دارفور ومآسيها؛ قد حانت. وهي برسم القوى السودانية المعنية جميعها؛ التي عليها أن تدرك بان تفويت فرصة المؤتمر ونشر قوات السلام في الإقليم لن تكون له سوى نتيجة واحدة: ليس فقط استمرار النزف بل أيضاً الغرق في أتون نزاع أهلي، كابد منه السودان في جنوبه واختبره غيره في المنطقة. والعبرة لمن اعتبر.