في العراق الحروب والصراعات والتقاتل، قضايا سياسية وليست طائفية أو عرقية، والقائلون بذلك يعتبرون فك الارتباط بين أسر تصاهرت وعاشت متجاورة بأحيائها وقراها يتقاسمون النخوة مثل قرص العيش ويذهبون إلى مساجدهم ودورهم ومزارعهم، وحتى المدارس والأسواق بدون حواجز تاريخية تتصل بأسباب البيعة الأولى لما بعد الرسول صلى الله عليه وسلم، أو من هو الأصيل والفرع، والآشوري والكلداني من العربي والكردي، أو من جاء من أصول فارسية أو تركية، باعتبار العراق معدة تاريخية هضمت الأجناس والحضارات، وسبقتها في أبجديات الحروف وقوانين (حمورابي) وحولت هذا المجتمع إلى شعب متجانس تتنازعه الخلافات كأي شعب آخر لأسباب ايدلوجية، أو قهر اجتماعي أو احتلال، لكنه لم يختلف على الأرض باعتبارها الأم لكل الأبناء وإن تعددت الرحلات الطويلة لمؤسس أولى الحضارات مع مصر، والصين والهند ودول حوض البحر الأبيض المتوسط.
الخلاف إذن فجرته الحرب، وغذاه انفلات الأمن، وغياب الدولة المركزية، وهي أسباب جوهرية لتحول الشارع إلى فوضى لا تحكمها قوانين ولا قيم إذا ما خرج عن طور القانون والرابط الأخلاقي والاجتماعي.
هذه القناعات التي تقول إن العراقيين في الملاجئ في سوريا والأردن، وحتى إيران وتركيا يتعايشون من خلال وحدتهم الأصلية التي عاشوها في الوطن المأزوم، لا يفترق سني عن شيعي، عشائري مع حضري وأن هذه المحنة أثبتت أن السياسيين وحدهم من يقودون تقطيع العراق، وأن الإشارة الأمريكية بتقسيمه إلى ثلاثة كيانات في الجنوب، والوسط والشمال مرفوضة بإجماع شعبي، وليس بأفكار من حاولوا صياغة الدستور على تلك الأسس، وحاولوا تكريسها من خلال منافع شخصية أو فئوية.
إذا كان هذا هو الرأي السائد فهل يمكننا فهم من خلق الفوضى، وبصرف النظر عن اتجاه الأهداف الأميركية التي جاءت للعراق بمشروع انها ستلتقي شعباً مرحباً رافعاً للأعلام البيضاء لمن تكرموا عليه بإنقاذه من دكتاتورية صدام، وأن الأهم كيف تحصل أميركا على الغنيمة النفطية الكبرى، ومنها تصل إلى فصل منابع النفط بالخليج إلى كيان واحد بقطع صغيرة لتضع العالم أمام حقيقة أنها المتحكم بالطاقة وتفصيل خرائط المنطقة بما فيها إيران وآسيا الوسطى، وحتى حدود روسيا إلى الغايات التي تخدم امبراطوريتها الكبرى قبل ان ينبت (الوبر) على ظهور قوتي آسيا القادمتين الهند والصين.
التصرف الخاطئ بالزمن الخاطئ، والعقلية الجوفاء التي حولت مشروعها إلى توسيع بؤر الصراع وفتح الأبواب للقاعدة، ومنظمات أخرى متطرفة، وسباق تسلح قد تخلق حروباً طويلة الأمد تكون أحد الخاسرين بها أميركا.
مصلحة أن تبقى وحدة العراق ليس فقط من أجل تأمين سلام مؤقت أو هدنة تصبح احتياطياً لأي فرصة تؤدي إلى صراع آخر، لا يخدم أي دولة تجاور العراق، أو تدعي أن لها حقاً تاريخياً بأرضه، أو أن شيعته أو سنته أو قوميات هي امتداد لجذور أخرى بتلك الدول المجاورة، وإلا توسع الخلاف إلى العودة للتاريخ وامبراطورياته، ومحاولة إعادتها بفرضيات تباعدت مع الأزمنة والظروف.
أميركا لا يهمها من العراق الراهن إلا أن تخرج بدون عقدة الهزيمة، أو انكسار الدولة العظمى حتى يلاحقها عار فيتنام، وكوريا، ونخشى أن تدخل في مرحلة جنون جديد بفتح حرب مع إيران تكون منطقة النفط التي تغذي العالم محرقة كبرى تقود إلى ما هو فوق الحروب إلى الدمار المتزامن والشامل للأرض والطاقة، والاقتصاد لتلبي أميركا وعداً تاريخياً لإسرائيل بحرق الأرض ومن عليها خدمة لنبوءة قالت بها أسفارهم وأحلامهم..
