المشهد الغربي المشتت واضح أمام القيادة الإيرانية: خلاف بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي كمجموعة، وخلاف من نوع آخر بين الدول الأوروبية نفسها، ومعارضة من الصين وروسيا ضد الكتلة الغربية ككل.
القضية المطروحة بالطبع هي مآل البرنامج النووي الإيراني، وبالطبع أيضاً ليس هناك خلاف بين دول الكتلة الغربية حول الهدف النهائي. فالهدف هو منع البرنامج الإيراني من التطور إلى إنتاج أسلحة نووية مما سيؤدي إلى تحييد الترسانة النووية التي تنفرد إسرائيل بامتلاكها في منطقة الشرق الأوسط.
الخلاف الغربي هو حول الوسيلة أو الوسائل لتحقيق هذا الهدف بمعنى حمل القيادة الإيرانية على وقف عملية تخصيب اليورانيوم. فاليورانيوم المخصب هو المادة الخام الأساسية لصنع قنابل وقذائف أخرى نووية.
والوسيلة الأشد حسماً من بين الخيارات المطروحة أمام الكتلة الغربية هي الحرب بطبيعة الحال: أي شن ضربة عسكرية عملاقة تؤدي لتدمير كافة المنشآت النووية المنتشرة فوق الأراضي الإيرانية وتحتها. ولكن «ما أسهل القول وما أصعب الفعل» كما يقول مثل انجليزي: (easier said than done).
وبينما لا تريد إدارة الرئيس بوش استبعاد هذا الخيار تماماً إلا أنها فيما يبدو مترددة بالنظر إلى جسامة الخطورة من حيث نشوء تداعيات أمنية وسياسية على أعلى درجات الخطر في منطقة الشرق الأوسط، وهنا أيضاً وقع خلاف. فباستثناء فرنسا ساركوزي ودولة أوروبية أخرى أو دولتين فإن دول الاتحاد الأوروبي ترفض الخيار العسكري من حيث المبدأ جملة وتفصيلاً.
يبقى خيار العقوبات الاقتصادية والتجارية، ووجه الخلاف هنا هو أن الدول الأوروبية تخشى فقدان السوق الإيرانية الكبيرة خاصة أنه تربط بين إيران وهذه الدول شراكات تجارية متنامية، على تفاوت أحجامها مع هذه الدولة الأوروبية أو تلك، والمشهد الاقتصادي كالآتي:
الولايات المتحدة تريد مقاطعة اقتصادية وتجارية كاملة ضد إيران، ودول الاتحاد الأوروبي لا ترغب في أكثر من مقاطعة رمزية. الصين وروسيا ترفضان المقاطعة رغم أنهما تعلنان تأييدا لعقوبات رمزية.
لذا نفهم لماذا على مدى أكثر من ثلاث سنوات تنتهي كل جولة تفاوضية مباشرة أو غير مباشرة مع طهران إلى طريق مسدود، فدول الغرب منقسمة على نفسها، والصين ترتبط مع إيران بمعاهدة طويلة المدى كمصدر رئيسي للاحتياجات النفطية لاقتصاد صيني أصبح مرشحاً لأن يصبح الاقتصاد الأول في العالم. وروسيا تساهم في مشاريع الطاقة النووية في إيران. والصين وروسيا معاً تريان في صمود إيران ضد الولايات المتحدة إضعافاً لمكانة القوة العظمى الأميركية في العالم.
إنه مشهد واضح كل الوضوح أمام القيادة الإيرانية، ولذا فإن أسلوب الاستخفاف الدبلوماسي الذي تتعامل به هذه القيادة مع الكتلة الغربية لا ينطلق من فراغ أو حسابات خاطئة، والمشهد يعكس تعددية القطبية في عالم اليوم بناء على صراع المصالح. والقيادة الإيرانية لا تنقصها استقلالية القرار والتحرك في الساحة الدولية لاستثمار هذه التعددية الصراعية إلى أقصى حد ممكن.