منذ وقت ليس بطويل ونحن نشهد خطابين، يتحركان بين مستويين؛ الأول إعلامي وسيكولوجي والآخر سياسي ودبلوماسي، فلكل خطاب إيراني هناك خطاب أميركي مضاد، ولكل خطاب أميركي مثير نحو إيران سرعان ما ينبثق لهيب من طهران ردا على عناوين الإغاظة تلك.
مما يجعلنا نتابع كل مرة مدى تطور تلك البورصة السياسية بين الطرفين، وكأنما الأسعار ترتفع وتهبط في البورصة بسبب تلك الإعلانات المرعبة لطبول الحرب والتوتر، ينعكس ذلك على ارتفاع أسعار النفط دفعة واحدة، خاصة وان المنطقة لا تحمل فقط براميل التوتر وحسب بل وتختزن الطاقة العالمية التي تمر من مضيق ضيق، قابل للاشتعال في أي لحظة، خاصة وان تطور السلاح يعزز من حجم الأخطار والقلق في ربوع المنطقة.
وكما نرى فإن الطبول تقرع في طهران وواشنطن، بينما القلق والتوتر والنبضات المرتجفة تلهث في بلدان الجوار بسبب قربها من دائرة الصراع. أكثر من ربع قرن والبرميل يلتهب بين الفينة والفينة ولكن سرعان ما يتم احتواء التصعيد والتوتر بين مركزين متصارعين، يسعيان للمواجهة دائما، فمع سقوط الشاه خسرت الولايات المتحدة مسألتين مهمتين في الشرق الأوسط، المخزون النفطي والموقع الإيراني الحيوي والدور السياسي في أكثر المناطق العالمية حيوية وضرورة أمنية، باعتباره الشريان الحيوي للأمن القومي الأميركي. وكلما هبطت الأسعار في البورصة السياسية بين البلدين سرعان ما يتم إعادة الضخ فيها، فيقف العالم على قرن الثور والهيجان السياسي الأقرب للتهور منه للحكمة، وكأنما هناك مصارعة للثيران، فتدخل إسرائيل من بوابتها الخلفية لكونها طرف ثالث في الصراع، بل وتحاول إسرائيل تحريض الدولة العظمى في الإسراع بضربتها العسكرية التدميرية الاستباقية، قبل أن تتملك جمهورية إيران الإسلامية سلاحا تدميريا خطيرا يعزز من قوتها ومكانتها العسكرية في المنطقة، ويدخلها ضمن النادي النووي.
وزاد من مخاوف إسرائيل عدة عوامل ملموسة، فهي تسمع وتشهد عن قرب أفعالا محسوسة تتجلى في دعم إيران لحزب الله في لبنان والجماعات الإسلامية في فلسطين واللعب بالأوراق العراقية.
ولكن الأكثر إثارة للخوف والقلق تطور إيران العسكري في ظل تصريحات نارية بين فترة وأخرى، حول تدمير إسرائيل وإزالتها من الخارطة العالمية، وبأن إسرائيل كيان مصطنع ولا بد من إزالته من الوجود، فتذكرها تلك التصريحات بماضي الشبح العربي وخطابه القديم، بعد أن توهمت أن خصومها العرب تم التعامل معهم بشكل أفضل وأسهل مع بدايات الدولة العبرية.
ما أثاره مؤخرا البيان السداسي في اجتماع الأمم المتحدة بتأجيل اتخاذ قرار بشأن فرض عقوبات جديدة على إيران بسبب برنامجها النووي المثير للجدل حتى نوفمبر المقبل، ليس إلا فرصة للبورصة السياسية بتفعيل دورها الاقتصادي.
وبتحريك الأوراق السياسية في لعبة تجيدها المؤسسات العالمية الكبرى، قبل أن تتحول إلى كارثة محتملة تجعل من مياه الخليج من أكثر مناطق العالم تلوثا بالنفط، في حالة نشوب مواجهة دامية بين الطرفين. بين حوار الشد والجذب المتواصل واستمرار حرب باردة بين واشنطن وطهران، هناك دوما لغة غزل مبطنة مستعدة للمساومة.
ولغة خارجية متهورة تعبر عن خطاب القوة والغطرسة من أميركا، وإجابات رد الفعل المكابرة من جمهورية إيران الإسلامية، في وقت قصير من أوقات مصيرية في لعبة يفهم أبعادها، من يحيكون خطط الضربات القادمة، كخيار عسكري قائم منذ وقت طويل، ولكننا بتنا نعيش اليوم في مجال قريب من مجالات طبول الحرب وإيقاعها المتقارب، كدقات ساعة ليلة الميلاد، التي تعلن للعالم دخولها سنة جديدة.
ما تفعله واشنطن مع إيران وتستجيب إليه إيران بشغف سياسي مشهد يومي للصدام السياسي، لتجعل من محيط اللهب أكثر تأججا، فإن التطورات الأخيرة، التي بلغت ذروتها هذه المرة جاءت من ثلاثة مصادر جديدة، قريبة من مصادر المعلومات المخبئة في أدراج واشنطن ولقاءات مغلقة في البيت الأبيض، فلم تعد التصريحات مصدرها واشنطن ولا تعبيرات الرئيس بوش وأقوال كونداليزا رايس الغاضبة مع محمد البرادعي، التي تطالبه بالابتعاد عن السياسة والكف عن التصريحات، التي تراها واشنطن مثيرة للأعصاب.
ما سمعناه مؤخرا من شخصية بحجم وزير خارجية السعودية ولافروف الروسي وكوشنير الفرنسي وبوتين الروسي، يجعلنا نتأمل التصريحات هذه المرة بشكل أكثر جدية، فما عادت اللعبة الآن تصب في خانة الدعائية والحرب الإعلامية.
فقد بات هناك خياران في واشنطن، جاءت على لسان نيكولاس بيرنز نائب وزير الخارجية الأميركية، بعد صدور البيان السداسي المشترك، والذي تضمن محتواه رسالة قوية وصارمة إلى إيران حول خطورة تسارعها في تخصيب برنامجها النووي بقوله: إما الضربة العسكرية أو أن تذعن إيران في نهاية المطاف.
وبتعبير مختزل إما الضربة التدميرية أو الإذعان بتفكيك البرنامج كما فعل الآخرون. وبذلك لا جدوى من محاولة كسب الوقت خلال شهر واحد، ولا جدوى بمكابرة تضع العالم على كف العفريت الكارثي، إذ لا يزال متقي يناور سياسيا في البورصة الدولية، لعله ينجح في إبعاد خطر الضربة القادمة، مشيرا إلى أن العقوبات كوسيلة سياسية لممارسة الضغط عديمة الفعالية في إجبار إيران على تغيير سياستها الوطنية.
ان فرض عقوبات اشد على بلاده لن يجبرها على تغيير موقفها من برنامجها النووي، بينما تصريحات كوشنير التي أزعجت كثيرا الدوائر السياسية والإعلامية في طهران بلغت مداها وتوترها بوصف فرنسا بأنها تضر بمصداقيتها، حين أشار كوشنير الى أن على العالم أن يستعد لخوض حرب مع إيران بسبب برنامجها النووي، وعلينا أن نستعد للأسوأ والأسوأ هو الحرب.
هذا الخطاب المختلف في الخارجية الفرنسية نابع من متغير جديد في سياسة حكومة ساركوزي ازاء إيران، والتي كانت تراهن على موقف محايد ليس لفرنسا وحسب بل وللاتحاد الأوروبي، الذي بدت بورصته السياسية تصب هذه المرة مع بورصة واشنطن والبيت الأبيض.
ولم يخف قلقه وزير الخارجية السعودي سعود الفيصل، عندما تعرض حول الملف الإيراني وما دار من حوار بشأنه مع دول كبرى بما فيها الحديث مع كوندوليزا رايس، فخرج الفيصل ليعلن أمام الملأ قائلا، تحدثنا بالتأكيد عن إيران. إننا نرى بالتأكيد مواجهة قادمة، فأثارني تكرار كلمة بالتأكيد مرتين، في فقرة قصيرة نقلتها وكالات الأنباء.
هذا التأكيد القائم على شعور القلق في الماضي، بات اليوم مبنيا على معطيات داخلية لحوارات مكثفة وزيارات مكوكية عدة. وسربت الصحف معطيات روسية على لسان بوتين أعلنت فيها تحذيره لإيران من حدوث هجوم أميركي ـ إسرائيلي وشيك ضدها.
لا تحتاج الأنف السياسية للمزيد من شم روائح البارود وتلك الحرب، ولا إغلاق الإذن عن سماع طبولها المتزايدة في السرعة والإيقاع، فكل مؤشرات الخطاب والمناورات العسكرية والترسانة العسكرية وبالونات امتحان القوة في المنطقة باختراق الأجواء، تدلل على انفجار قادم في البورصة السياسية في المنطقة، فتيلها منابع النفط وقرارها وسيناريوهاتها غرف مغلقة في البنتاغون.
كاتب بحريني
