حين تضيع الحقيقة وينقلب الحق إلى باطل ويعلو صوت الكذابين على أصوات الصادقين.. وحين يرتدى الأشرار رداء الأخيار، ويبدو الخير كأنه الشر.. وحين يتفنن المضللون بالإعلام، ويبرزون التزييف والتضليل، ويعتمون على الحق والحقائق.. عندها تشاهد العجائب بانقلاب الصور والمفاهيم، فإذا الاحتلال تحريراً.

وإذا التدمير تعميراً، وإذا المقاومة المشروعة إرهاباً، وإذا الإرهاب غير المشروع دفاعا، وإذا حكايات السلاح النووي وأسلحة الدمار الشامل كذب كامل وتضليل شامل.

وإذا الأسلحة النووية العسكرية في يد المحتكرين أمان للبشرية، وإذا الطاقة النووية السلمية في يد الناهضين هو الخطر الساحق على الإنسانية، وإذا العرب والمسلمون هم الإرهابيون بينما المحتلون والمعتدون الصهاينة والأميركيون هم أنصار السلام والديمقراطية وحقوق الإنسان!

ولعل أوضح النماذج لممارسة الكذب وللتضليل وقلب الحقائق ولكل الشرور التي يقترفها المعتدون والمحتلون هي التي اقترفها الصهاينة في فلسطين بالأمس وما زالوا يمارسونها حتى اليوم، وهى أيضا التي استخدمت لغزو العراق بالأمس وهى نفسها التي تترافق اليوم مع التهديدات بضرب إيران اليوم.. لقد خدعوا العالم وورطوا دول المنطقة لضرب العراق وهاهم اليوم وبنفس الوسائل والمزاعم المخادعة يحاولون خداع العالم وتوريط دول المنطقة لشن الحرب على إيران.

وبرغم تحفظات وتباينات في التوجهات بين دول المنطقة والعراق بالأمس، فقد وقعنا في المحظور وبعد الدمار والخراب الذي حل بالعراق وهدد دول المنطقة بالفوضى فإننا نشعر بالندم، وبرغم تحفظات وتباينات في التوجهات بين دول المنطقة وإيران اليوم، وبعد انكشاف الكذب وتعلم الدرس فإن شعوب وحكومات المنطقة كلها تعارض وبشدة أي حرب ضد إيران إدراكا منها بأنها هي التي ستدفع ثمن أي مغامرة أميركية جديدة.

وقد رفض مجلس الأمن الدولي فرض عقوبات إضافية حاليا على إيران بقوة الموقف الروسي والصيني، حيث تصدى بشدة وزير الخارجية «لافروف» للمحاولات الفرانكو أميركية ولوزيرة الخارجية «رايس».

مثلما رفضت الوكالة الدولية للطاقة الذرية بشجاعة وحكمة رئيسها محمد البرادعى الاستجابة للضغوط الأميركية لتبرير العمل العسكري ضد إيران خصوصا بعد تقارير تفيد بألا مخالفات للقوانين في البرنامج الإيراني، واعتبر الانزلاق للحرب جنونا كارثيا.

وهذا يذكرنا بجلسة الكذب الكبرى قبيل غزو العراق، والتي حاولت أميركا بها خداع العالم لاستصدار قرار دولي لشن الحرب على العراق، برغم تقرير «هانز بليكس» كبير المفتشين الدوليين في نفس الجلسة الذي ينفي المزاعم الأميركية، وفيها تصدى وزير الخارجية الفرنسية «دوفيلبان» فى عهد اللا تبعية الفرنسية لواشنطن ـ لـ «لباول» وأفشل المحاولة. لكن التحالف الأنجلو أميركي مع ذلك قام بالعدوان من خارج الشرعية الدولية.

فمع بدايات العام 2002 كان القرار الأميركي بشن الحرب لغزو العراق قد اتخذه المحافظون الجدد بالفعل في «واشنطن» استجابة للتحريض الصهيوني من «تل أبيب» واستغلالا لتفجيرات الحادي عشر من سبتمبر فيما أسموه «خطة الدفاعات الأميركية الجديدة » في إطار «مشروع القرن الأميركي » للسيطرة على العالم، والذي وضعه صقور المحافظين الأكثر هوسا بإشعال الحروب لخدمة مصالح لوبي السلاح والنفط الأميركيين، والأكثر موالاة لإسرائيل على حساب العرب والمسلمين.

كان شن الحرب على العراق أولا بهدف حماية الأمن الإسرائيلى، والاستيلاء على النفط، والتقسيم الدموي الطائفي للعراق، كمقدمة للمشروع الصهيوني الأميركي «الشرق الأوسط الكبير» لإعادة تقسيم المنطقة العربية والإسلامية على يد «بوش ـ شارون» المقسمة أصلا عل يد «سايكس ـ بيكو» بإشعال الحرائق الطائفية والعرقية والمذهبية فيها بين العرب والكرد أولا وبين العرب والفرس ثانيا.

ثم بتقسيم العرب العراقيين إلى شيعة وسنة وإشعال الفتنة بينهما لينشغلا ببعضهما عن مقاومة الاحتلال ولتذويب الهوية العربية أولا وبعدها نشر الفتنة المذهبية على دول المنطقة لمواصلة مسلسل التقسيم، وهذا ما فضحه أخير القرار الخطير السافر للكونغرس الأميركي بتقسيم العراق.

ولعلنا نذكر حكاية الذئب الأميركي بمزاعمه الكاذبة والمتوالية المختلفة تجاه الحمل العراقي تارة والإيراني تارة والخليجي تارة أخرى ليحقق أغراضه الطامعة في اقتناص فرائسه العربية والإسلامية جميعا في الخليج بضفتيه العربية والفارسية كبداية لمطامعه في الشرق بصفتيه «الجديد» حسب الوصفة الإسرائيلية و«الكبير» على الطريقة الأميركية.

mamdoh77@hotmail.com