يتميز الإنسان عن سائر المخلوقات بالعقل والقدرة على الفعل والتفاعل والإبداع، ولا تكتمل هذه المقومات وتنمو في الإنسان إلا بالتعليم، فالتعليم أساس نهضة الأمم وتقدم الشعوب، وبالعلم تحدى الإنسان المستحيل. فاكتشف واخترع، ووصل إلى القمر، واستخدمت الدول المتقدمة أدوات التقدم العلمي والمعرفي للارتقاء بشعوبها ورفع مستواها المعيشي والاجتماعي، لأن نهضة الدول تقاس بمرتبها العلمية، ونسبة المتعلمين فيها الذين يساهمون في رفع مكانة أوطانهم، وتأخر الدول يقاس بنسبة الجهل والأمية فيها.
يقول الشاعر:
العلم يبني بيتاً لا عماد له
والجهل يهدم بيت العز والشرف
والدول المتقدمة لا تقاس نهضتها بعلمها فحسب، إنما بمساحة الحرية المسموحة فيها، فالعلم لا يكتمل دون حرية، لأن القيود تخنقه وتحد من فائدته، بينما يحرره احترام الرأي والرأي الآخر، وحرية التعبير، وبهما يرفع من شأن دول ويحتذى بها ويتغني بمكانتها.
هذه المقدمة كان لابد منها قبل الدخول إلى موضوعنا الذي كان محور حديث المجالس ومنابر الإعلام داخل الدولة وهو ينقسم إلى موضوعين، الموضوع الأول: هو مبادرة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي التي أطلق عليها حملة «دبي العطاء» لدعم التعليم في الدول الفقيرة، خاصة في قارتي آسيا وإفريقيا.
هذه المبادرة جاءت لتؤكد على مواقف دولة الإمارات العربية الإنسانية اللامحدودة لخدمة الإنسان، بالرغم من أن هناك دولا كبرى أغنى وأقوى وأكثر قدرة وإمكانية على القيام بمثل هذه المبادرات، وهي دول تدعي الإنسانية، ولا تفوت مناسبة إلا وتطالب فيها بحقوق الإنسان وتدافع عنها.
وتعطي دروساً فيها، لكنها تقف موقف المتجاهل واللامبالي تجاه النهوض بالدول المتخلفة وبقضايا التعليم فيها، لأن ذلك لا يخدم مصلحتها، بينما تقف موقف المحرر الذي يهب لإغاثة الشعوب المستضعفة عندما يتعلق الأمر بالسيطرة على ثرواتها، لأن ذلك يخدم أطماعها.
فبعيداً عن الأنانية والمصلحة الذاتية، وبإرادته وحبه للإنسانية أطلق سموه هذه المبادرة الخيرة لتكون تكملة للمبادرة السابقة التي أطلقها سموه في الأردن قبل أشهر بتخصيص عشرة مليارات دولار لدعم التنمية العلمية العربية، وبهاتين المبادرتين يرفع اسم دولة الإمارات العربية المتحدة على الخريطة العالمية هذه المرة بعطائها واهتمامها الإنساني بالقضاء على الجهل والتخلف في الدول المتعطشة للتعليم والتي لم تجد من يمد إليها يد المساعدة في هذا المجال فما أحوجها لمثل هذه المبادرة الكريمة في هذا العصر.
أما الموضوع الثاني فكان قرار سموه بمنع سجن الصحافيين بسبب أداء واجبهم وعملهم المكلفين به، و هذا دعم لكل صاحب قلم ورأي صادق ونزيه، وتقدير من سموه لدور الإعلام والصحافة، في الوقت الذي يمر فيه الصحافيون والإعلاميون في الدول العربية بمرحلة يغلب عليها التهديد وتقييد الحريات بشتى الوسائل وغالباً ما يتعرضون للاعتداء والاضطهاد أو السجن والنفي نتيجة رأي حق يعبرون فيه عن معاناة الناس وينتقدون المتسببين فيها، أو لمجرد كتابتهم لخبر عادي وطبيعي.
بقرار سموه الحكيم هذا، توفر الدولة للصحافيين وأصحاب الرأي بيئة سليمة ومناخاً ملائماً للاجتهاد والعطاء بحرية، والقرار في وجهة نظري لا يعني أن الإعلاميين فوق بقية الناس، ولا يجب محاسبتهم إذا ارتكبوا تجاوزات أو إساءات مقصودة.
بل هو مسؤولية على عاتقهم، فبعد هذا التقدير لهم من أعلى سلطة، عليهم تسخير أقلامهم لطرح قضايا وهموم وطنهم بجرأة ومصداقية بهدف معالجتها أو إيجاد حلول لها، فالإعلام كما هو معروف هو السلطة الرابعة وبذلك للإعلاميين دور مهم في بناء أوطانهم، فعلى من يكتب خبراً أو يبدي رأياً أن يتخطى دوره في نقل الخبر وطرحه، بل يجب أن يكون قلمه بناءً وموضوعياً لرفع الظلم وإظهار الحق، والشعور بمآسي الناس والسعي إلى معالجتها.
إن المبادرة والقرار تزامنا معاً، وجاءا ليعبرا عن مدى بعد نظر صاحبهما، وإيمانه العميق بقضايا الإنسان، فالمبادرة تعطي لكل إنسان الحق في تملك أدوات العلم والمعرفة والابتكار والإبداع، أما القرار فيمكنه من استخدام هذه الأدوات بحرية ومسؤولية، مما يعني أن المبادرة والقرار مرتبطان ببعضهما البعض لمصلحة الإنسان ولخدمة الإنسانية.
إن دولة الإمارات بهذه الخطوات الايجابية تتخطى الحدود لتلحق بركب الدول المتقدمة والمتحضرة، في عصر لا يعترف فيه إلا بالعلم والمعرفة وحرية التعبير، وحق المشاركة للجميع، لينعم الإنسان بالرفاهية في قرن العولمة لا قرن الظولمة، كما تريده الدول القوية التي تدعي الحرية. فالعولمة شأن الجميع، ومن حق الجميع التمتع بنتائجها الإيجابية لا المعاناة في ظلمها.
كاتب إماراتي
