الكلام الكثير الذي توالى، خلال وبعد اللقاءات الجانبية في نيويورك، والذي صدر عن مسؤولين فلسطينيين وبعض العرب وأميركيين؛ بدا وكأنه يريد أن يقول: إن الملف الفلسطيني ـ الإسرائيلي قادم على انعطافة نوعية قريباً، الحراك والخطاب الذي رافقه وما سيتبعه من لقاءات ثنائية ودولية؛ كله ترك الانطباع بأن الأمور سائرة، هذه المرة، في هذا الاتجاه، المفردات المتداولة، في هذا الخصوص، وكذلك المواضيع والقضايا الحساسة.

فضلاً عن تحديد مواعيد وتواريخ لحسم، يقال إنه من ضمن الأجندة؛ كلها تعزز هذا الاعتقاد، على الأقل لأنه لم يسبق أن نزلت إلى التداول، بهذه الصورة والتزامن، لغة جديدة كأنها تنطق بأن احتمال كسر المألوف بات احتمالاً غير مستبعد؛ وبأن التوصل إلى صيغة تسوية فلسطينية ـ إسرائيلية، صار عملية وقت فقط، عملية أشهر لا أكثر.

إذا كان ذلك هو المنحى الذي ستتخذه العملية، فعلاً؛ عندئذ يكون الوضع قد أخذ يتحرك باتجاه تطور واعد، لكن السؤال: أي تطور؟ ثم ألم يسبق أن شهد هذا الملف محطات وتطورات وانعطافات تاريخية، بدا معها وكأن الحل قد صار على الأبواب؛ ثم سرعان ما تبخرت التوقعات وانهارت الرهانات؟ أسئلة تفرضها السوابق والرقص الإسرائيلي المعتاد على الصياغات والشروط الملغومة أو الضبابية في أحسن أحوالها.

الرئيس الفلسطيني محمود عباس، عاد من الأمم المتحدة والاجتماعات التي عقدها هناك مع قيادات دولية؛ بنبض إيجابي، تحدث عن إمكانية حسم «اتفاقية سلام» مع إسرائيل، مع بداية الصيف المقبل. بدا وكأنه يتوسم اختراقاً ما، في مؤتمر السلام المزمع عقده في نوفمبر بواشنطن.

وهو من جهته عازم على الذهاب إلى المؤتمر بـ «أجندة واضحة ومحددة». كما شدد على وجوب أن يكون الإعلان المشترك، المتوقع صدوره غداً في أعقاب قمة عباس ـ أولمرت، بمثابة «وثيقة واضحة ومحددة» ذلك أن هذا الإعلان، سيعرض على المؤتمر العتيد، ليكون جدول أعماله ونقاشاته، بشأن قضايا الوضع النهائي، وعلى هذا الأساس تنطلق بعد ذلك، المفاوضات حول التفاصيل والجزئيات؛ بحيث يتم انجازها في غضون فترة زمنية مقبولة وتتكلل باتفاقية سلام، هذا وفق المنظور الفلسطيني والعربي.

أما من المنظور الإسرائيلي فالمسألة تختلف، أو على الأقل تثير علامات الاستفهام والارتياب الكثيرة؛ على الرغم من الكلام المعسول العام الذي صدر، مؤخراً. وزيرة الخارجية الإسرائيلية ليفني سارعت إلى طرح قائمة طلبات ودروس على العرب، تريدهم أن «لا يكونوا فلسطينيين أكثر من الفلسطينيين أنفسهم»، وتريد منهم التطبيع المستعجل: «مقابل كل خطوة إيجابية إسرائيلية تجاه الفلسطينيين على الدول العربية أن تقوم بتنفيذ خطوة مماثلة تجاه إسرائيل»، طبعاً هي لا تحدد طبيعة ومدى الإيجابية لخطوات إسرائيل الموعودة.

ثم أولمرت، حسب إذاعة الجيش الإسرائيلي لا يريد من الإعلان المشترك أكثر من ورقة مكتوبة يكتنفها «الغموض وخالية من الإلزام»، وهو نفسه الذي سبق وقال، قبل أيام، بأن التسوية الفلسطينية ـ الإسرائيلية يلزمها من 30 إلى 40 سنة. غيره من المسؤولين الإسرائيليين حرصوا على التحذير من «عواقب المبالغة في التوقعات»؛ معتبرين أن مناقشة قضايا الحدود والقدس واللاجئين في المؤتمر، أمر «غير وارد وليس واقعياً»!

كل ما صدر عن الجانب الإسرائيلي عشية قمة عباس ـ أولمرت كان إطلاق سراح 87 سجيناً فلسطينياً؛ ـ معظمهم من المرضى المفروض إخلاء سبيلهم ـ بزعم أنها بادرة حسن نية وهدية رمضانية!!

إسرائيل مع واشنطن، تحاول الإيحاء بأن المسألة هذه المرة مختلفة ـ وبالتالي جدية، والجانب الفلسطيني ملدوغ ومكتوٍ بما فيه الكفاية من وعود إسرائيل. الحذر ضروري لأن الخيبة هذه المرة مكلفة جداً.