حروب عالمية كبرى، وأخرى جاءت من خلال دول ذات نفوذ عالٍ في قوتها العسكرية، وحتى المخاوف مما سمي بالضربة الاستباقية فتحت بين السوفيات والأمريكيين الخط الأحمر حتى لا يقع خطأ أو سوء تقدير تنطلق من خلاله أسلحة الدمار الشامل، قبل فهم الأسباب وتداركها.

وفي حروب المائة عام وعوامل انفجاراتها دينياً وقومياً، أو في السباق على الأسواق العالمية، وامتلاك المواد الأولية، والهيمنة عليها من قبل دول تتساوى بالقوة والنفوذ، سويت هذه العمليات بالحوار بين الدول الأوروبية حتى في أقصى حالات التوتر، ولم تعاند بريطانيا في أوج قوتها أن تنسحب من مستعمراتها مقدرة الظرف التاريخي والزمن، وأمريكا كابرت في حربها مع فيتنام لكنها اضطرت أن تجعل من باريس نقطة التقاء مع الخصوم في تنفيذ اتفاق الخروج الصعب.

العالم الإسلامي، والأمة العربية لم يتجاوزا حدود أفكارهما بأن ما تعجز عنه الحرب تنهيه الدبلوماسية المرنة، والدلائل كثيرة لكننا لن نذهب إلى التاريخ، وإنما للظروف الراهنة فقد عجز الجزائريون أن يفصلوا خلافاتهم بين الدولة، وجبهة الإنقاذ، وصدام حسين الذي مزق اتفاقية الجزائر مع إيران وعاكس مواثيقه مع دول الخليج بعدم الاعتداء هو من فجّر الحربين مع إيران والكويت، ولا ننسى الحائرين بأنفسهم والمحتارين في حل عقدة النسبة والتناسب في تشكيل حكومة لبنانية، رغم وجود بنود ونصوص دستورية وقانونية تنهي هذا الإشكال، ويجري مع هؤلاء وأولئك الصوماليون، والمغرب والجزائر في مسألة الصحراء، وغيرهم الكثير.

حلَف الأفغان والفلسطينيون في مكة على الالتزام الأخلاقي بتنفيذ ما تعاهدوا عليه، وانتهت القضيتان إلى فراق قد لا يلتقي، ولعل الأسباب في جملتها وما سبق أن جاء في سياق هذه الكلمة، أو ما هو متعارف عليه أننا بمثل ما فشلنا في الكثير من معاركنا العسكرية، جاءت الكوارث السياسية مضاعفة ويبدو أن الأمر متعلق بعدم الثقة، وهي أزمة خطيرة يصعب تداركها، وهي أسباب استدعت أن يصبح لكل دولة جيش يتم الصرف عليه من بنود الميزانيات، وعلى حساب الرفاه الاجتماعي، أو سد الاحتياجات الأساسية خوفاً من الأخ الجار، أو حتى البعيد الذي قد يتحالف مع آخر في ضرب بلد عربي لأتفه الخلافات.

في العالم الإسلامي يتسع الحدث لما هو أكبر وأخطر، فمن نيجيريا إلى أندونيسيا لم نجد من فهم خطوط علاقاته والتعامل معها بما يبعد شبح الحروب، والانقسامات، أو تفريخ الإرهاب والتطرف فقد عجز الإسلاميون كأقليات وطنية، أو مهاجرة الاندماج مع شعوب أخرى وربما تكون العلل المعاملة غير العادلة، لكنّ هناك دولاً خارجية تكفل حقوق المواطنة بعيداً عن هذا الفصل وعدم التكافؤ ومع ذلك لا نرى من يؤمن بميثاق عمل يصادق عليه مع بلد الإيواء، وقطعاً جاءت العدوى مع المنبع الأكبر.

نقض المواثيق والعهود قد يكونان مشكلة كونية في تواريخ الامبراطوريات والحروب التي جرت بأسباب خلل في توازن القوة، لكننا أمام عقد دولي، وعقود ثنائية، أو إقليمية تراعي المصالح قبل مدونات النصوص وقانونيتها، ولذلك تستطيع إسرائيل أو غيرها نقض أي تعهد مع العرب، ولكنها لا تستطيع أن تلغي فقرة في تعهد مكتوب أو موقّع مع دولة أخرى، وتدعي أن هذا الفعل يقوم على نفس المبدأ بعدم الثقة بالآخرين.

العرب والمسلمون هما في الطريق الواحد حتى لو تباعدت بينهما فواصل جغرافية وثقافية وأرومات لأن العقيدة الإسلامية رابط أساسي وفعال، ومع ذلك لا نرى من يعتبر أي اتفاق شريعة ملزمة للطرفين، فهل فقدان الثقة طور جديد لدبلوماسية يعتقد البعض أنها ذكاء متطور، بينما هي في حقيقتها نقض لمواثيق ترتبط أولاً وأخيراً بأخلاقيات المتعاقدين والملتزمين بنصوص تلك المواثيق.