عادة السطو على أملاك الغير عادة استعمارية غارقة في القدم تبنتها الحركة الصهيونية منذ إرهاصات تأسيسها الأولى وراحت تمارسها على أوسع نطاق في شتى الميادين بدءا بالتاريخ وحتى الجغرافيا مرورا بالعادات والتقاليد والحمص والفلافل من دون استثناء الأزياء الشعبية والفلكلور وصولا إلى الموسيقى والدبكة.

لكن أن تسطو هذه الحركة العنصرية على تراث وذاكرة حركات التحرر العالمية وتحديدا على رمزها التاريخي ارنستو تشي جيفارا فذلك ما لم يكن يخطر على بال أحد بما في ذلك أعتا كتاب السيناريوهات ومخرجي الأفلام في هوليود.

فلقد نشرت صحيفة إسرائيلية كبرى في شهر أغسطس الماضي تقريرا يدعي أن أرئيل شارون الرابض في غيبوبته الأزلية هو ابن خال إرنستو تشي جيفارا المناضل ألأممي الراحل الباقي في ضمير شعوب الأرض كافة وتحديدا في ضمير الأجيال الصاعدة من الشباب بغض النظر عن مدى تلاقي توجهاتها الفكرية والأيديولوجية مع فكره الثوري التحرري الذي سارت على دربه الكثير من حركات التحرر حول العالم وكان ولا يزال عنوان حقبة كاملة من نضال الشعوب المضطهدة ضد الطغيان الداخلي والخارجي على حد سواء.

الغريب في الأمر أن التقرير نفسه يفند نفسه بنفسه، حيث يدعي التقرير أن والدة الثائر العالمي سيليا دي لا سيرينا المولودة عام 1925يهودية من أصل روسي انتقلت إلى العاصمة الأرجنتينية وغيرت اسمها هناك وتزوجت من الأرجنتيني ارنستو جيفارا لينتشه وبعد عام من زواجها أنجبت ابنها البكر ارنستو تشي جيفارا.

وأنها أخفت ماضيها اليهودي حتى عام 1965 قبل وفاتها بوقت قصير حين أطلعت ابنها المحبوب وهي على فراش الموت على سرها الصغير، وأبلغته أن أخيها يدعى صموئيل وهو يعيش في فلسطين مع أحد أبنائه المدعو آرئيل شارون الذي يخدم في صفوف الجيش الإسرائيلي.

لكن أحد الذين تلقوا المادة الصحافية وهو الدكتور أفرا يم دودي الذي يعمل في جامعة تل أبيب وصاحب كتاب يتناول سيرة الثائر العالمي جيفارا أكد بأنه تلقى المادة من أربع مدارس دينية يهودية مختلفة فضلا عن الكثير من الاتصالات التي تستوضح مدى صحة الرواية، لكنه أكد لأصحاب تلك الاتصالات جميعا بأنها لا تستند إلى أي سند منطقي وأنه على يقين من أن والدة جيفارا وصلت الأرجنتين قادمة من اسبانيا.

وفي حين يذهب التقرير الصحافي، الذي تم توزيعه على آلاف العناوين الالكترونية ونشرته الكثير من الصحف ومواقع الانترنت في أميركا اللاتينية، إلى القول إن جيفارا سافر إلى الدولة العبرية حينها بهوية مزورة والتقى شارون وحتى تلقى بعض المواعظ الدينية في القدس.

يؤكد الباحث الإسرائيلي أن جيفارا قام في ستينات القرن الماضي وبمعرفة الرئيس الراحل جمال عبد الناصر بزيارة مخيمات اللاجئين الفلسطينيين في قطاع غزة عدة مرات مثيرا الكثير من الحماس هناك، لكنه لم يدخل لإسرائيل أبدا. ولم يشكل جزءا من الوفود الرسمية الكوبية التي زارت الدولة العبرية خلال السنوات اللاحقة.

تلك محاولة ماكرة للاحتيال على ضمير وذاكرة شعوب العالم فرادى وجماعات، إذ أنها فضلا عن كونها ليست غريبة على المسلك اللا أخلاقي والوقح للحركة الصهيونية العالمية، الذي يحاول أن يدعي لنفسه كل ما هو إنساني ووضاء، فإنها ليست بعيدة عن محاولة توجيه صفعة قوية للثورة الكوبية وتاريخها، ليس بغية تشويه صورتها في عيون الناس فحسب.

بل إنها تأتي في سياق الانتقام من هذه الثورة عبر المساس بسمعة رجالاتها وعلى رأسهم الرئيس فيدل كاسترو الذي ينبض عقله وفكره بالحياة رغم اعتلال صحة منذ أشهر.

القصة تعود إلى 1975 حين قررت السلطات الكوبية إغلاق المركز الثقافي اليهودي الواقع في شارع سيمون بوليفار الأسطوري وسط العاصمة هافانا وتحويله إلى مقر للاتحاد العربي- الكوبي، الذي لا تزال تتوسط قاعته الرئيسية نجمة داوود بعد أن انتزع منها رأسين وأصبحت نجمة رباعية بدل سداسية لتبقى شاهدا على التحول الكبير والتاريخي في الموقف الكوبي الرسمي من الحركة الصهيونية ودولتها العبرية، الذي شمل إغلاق السفارة الإسرائيلية في كوبا وفتح سفارة فلسطينية لا تزال شامخة في أحد أرقى أحياء هافانا حتى يومنا هذا.

وهي خطوة سجلت اختراقا استراتيجيا للنفوذ الصهيوني الذي لا يستهان به في أميركا اللاتينية، حيث تصول الحركة الصهيونية وتجول كما تحب وتشتهي في غياب حضور عربي سياسي مطلوب رغم الحضور الكبير للجالية العربية في كافة مناحي الحياة في قارة تتقاسم شعوبها شعوب مع عالمنا العربي الكثير من القواسم المشتركة والتطلعات والهموم، ذلك الغياب الذي توج في المشاركة العربية الخجولة في قمة البلدان العربية وبلدان أميركا اللاتينية الذي عقد في البرازيل منذ بضع سنوات.

bassil@albayan.ae