في الخامس عشر من رمضان الفضيل- الخامس والعشرين من فبراير 1994، (خطّت يد الغدر في ذاكرة الأيام الفلسطينية سطوراً حمراء دامية، وسفك الحقد الصهيوني المسعور أزكى الدماء، فارتكب المجرم السفاح ( جولدشتاين) مجزرة دموية نكراء في الحرم الإبراهيمي الشريف، سقط فيها المصلّون العزّل مضرجين بدمائهم).
يقول محافظ الخليل د.حسين الاعرج: ( ما زالت أحداث مجزرة الحرم الإبراهيمي الشريف راسخة في ذاكرة وعقول وقلوب الفلسطينيين )، ويعززه قاضي القضاة الشيخ تيسير التميمي مضيفا: مجرزة الحرم التي نعيش احداثها حلقة في مسلسل من القتل استباح الدم الفلسطيني.
ويردف ان المجزرة ارتكبت بهدف تهويد مدينة الخليل، ومن يومها تزايدت الاجراءات الاحتلالية ضد حرم الخليل فوضعت البوابات الحديدية والالكترونية على مداخله واتخذت خطوات كثيره لطمس معالمه وتواصل اغلاقه امام المصلين وبالأخص في شهر رمضان المبارك، كما يمنع رفع الاذان من على مآذنه وتعرقل السلطات وصول المواطنين اليه بالاعتقال واغلاق البلدة القديمة.
لذلك عندما تحمل المانشيتات الرئيسة للصحف والمواقع الاعلامية الفلسطينية المختلفة عناوين مثل :
المجزرة: يوم ذبح الركع السجود بين يدي الله سبحانه، ومدينة خليل الرحمن- شريط ذكريات مضرج بالدماء والآلام -، و رائحة الموت لا تزال تنبعث من المكان، والمجزرة يوم لا ينسى في تاريخ مدينة خليل الرحمن الباسلة - كما اكد الشيخ تيسير رجب التميمي قاضي قضاة فلسطين، وغير ذلك، فلا مبالغة في ذلك على الاطلاق، فربما تكون المعطيات الحقيقية للمذبحة اشد هولا من ذلك بكثير .
فالمعطيات الفلسطينية تشير الى ان مسلسل الاعتداءات الاجرامية على مدينة خليل الرحمن ومقدساتها واهلها لا يقف عند حد او سقف، وتوثق لنا الشهادات ان ابرز وأخطر أشكال الانتهاكات والاعتداءات والجرائم التي اقترفتها سلطات الاحتلال ودويلة المستوطنين الإرهابية ضد الخليل وأهلها، هي بالتأكيد تلك التي تنفذ ضد الحرم الإبراهيمي الشريف، فهي شبه يومية وبأشكال مختلفة مثل الاقتحام أو التسلل أو منع العرب من الدخول، أو خلع بلاط المسجد، أو تدنيس السجاد، أو التشويش على المصلين العرب وغير ذلك الكثير الكثير من الانتهاكات والاعتداءات والجرائم ضد الحرم الإبراهيمي الشريف .
شكلت تلك المذبحة البشعة، ذروة الإرهاب الدموي الذي قارفته دويلة / عصابات المستوطنين اليهود في منطقة الخليل، وكان من أخطر تداعيات المذبحة على أوضاع أهلنا في مدينة خليل الرحمن، وعلى أوضاع الحرم الإبراهيمي الشريف أن كرست سلطات الاحتلال حالة التقسيم والهيمنة والتهويد التي قامت وتراكمت على مر السنين جراء مخططات وإجراءات التهويد في المدينة.
وكما في مثل هذا الوقت من كل عام، وفي شهر رمضان المبارك يتوقف اهل مدينة خليل الرحمن ليستذكروا ويحيوا ذكرى تلك المذبحة المروعة التي اقترفت بحق المصلين من ابناء الخليل من النساء والأطفال والشيوخ، بل ويخشى اهل الخليل فوق كل ذلك من تكرار المذبحة على يد الجيش المعربد او على يد ارهابي يهودي بلطجي منفلت، خاصة وان الاحتلال لا يتورع عن تقديم الدلائل اليومية على مثل هذا التوجه الارهابي.
ولعل من اخطر ما يجري هناك على ارض الخليل تسيب المستوطنين اليهود المدججين بالأسلحة الذين يهتفون في وجه اهل المدينة : قتلنا المسيح وسنقتلكم أنتم.
وقد تفاقمت المعاناة في المدينة الى درجة وصفها احد التقارير بأن كل شيء مباح للمستوطنين، ويمكن القول إنّ الفلسطينيين في البلدة القديمة الذين يُقدّر عددهم بما لا يقل عن 35 ألفاً، يُعاقَبون بسبب بضع مئات من المستعمرين موزّعين على خمس بؤر في قلب البلدة، استقروا فيها بحماية أكثر من ألف من جنود الاحتلال.
ولعل من أبرز جرائم الصهاينة التي تتعرض لها البلدة القديمة على مدار الساعة، فهي هدم منازل المواطنين ومنشآتهم الخاصة أو الاستيلاء عليها، وإغلاق الشوارع، وإغلاق مئات المحال التجارية وطرد أصحابها من التجار منها، وحظر التجوال لفترات طويلة، وتلحق بذلك البوابات الحديدية والإلكترونية التي وضعتها قوات الاحتلال، ونقاط المراقبة العسكرية فوق أسطح مبانٍ مسكونة.
والكثير من الحواجز الاسمنتية والترابية فضلاً عن الحواجز الثابتة.وإذا ما أضيفت إلى ذلك كله استفزازات المستعمرين أنفسهم، فإنّ ذلك جعل التحرك في بلدة الخليل القديمة أشبه بالمشي وسط حقل من الألغام، وهو ما أجبر الكثير من الفلسطينيين على مغادرتها محاولين الانعتاق من السجن الكبير وضائقة الحياة العسيرة المفروضة عليهم قسراً.
بل ان الأمور في البلدة القديمة أسوأ من ذلك وتشبه الى حد كبير معسكر غوانتنامو كما وصفها الشيخ ابراهيم صرصور-رئيس الحركة الاسلامية الجناح الجنوبي في فلسطين/48 قائلا: كأننا ذاهبون إلى معسكر غوانتنامو، فكل شيء مغلق فيها وسكانها يعيشون في جيتوهات وكانتونات حتى السماء مغلقة، وإذا لم يتدارك الأمر في بلدة الخليل القديمة فإنها وخلال فترة قصيرة ستتحول إلى مدينة يهودية/عن المركز الفلسطيني للإعلام.
فالمشهد الماثل في مدينة خليل الرحمن: ان القمع الإسرائيلي للفلسطينيين بمدينة الخليل أجبر الآلاف منهم على مغادرة بيوتهم وتجميد أعمالهم التجارية، ويقول التقرير الذي أصدرته جمعيتا بتسيليم وحقوق الإنسان في إسرائيل:
إن أكثر من أربعين في المئة من الفلسطينيين الذين كانوا يسكنون في مركز مدينة الخليل الخاضع للسيطرة العسكرية الإسرائيلية قد اجبروا على النزوح من دورهم، كما أجبرت أكثر من 75 في المئة من المحلات التجارية على إغلاق أبوابها، ويردف:
إن النزوح الفلسطيني من قلب مدينة الخليل - المقدسة لدى المسلمين - جاء نتيجة السياسة الإسرائيلية المبنية على الفصل بين العرب واليهود والمعاناة المفروضة على الفلسطينيين، مشيرا إلى أن المستوطنين يسيطرون على مركز المدينة حيث يعيش زهاء 650 منهم تحت حماية مشددة بينما يعيش الفلسطينيون البالغ عددهم 160 ألف نسمة على باقي المدينة، موضحاً: أن 1014 منزلاً فلسطينياً على الأقل، أي حوالي 42 في المئة من المنازل في مركز المدينة، أصبحت غير مأهولة.
واستتباعاً - يمكننا ان نستخلص في ضوء كل ذلك:
- إن كافة الجرائم التي اقترفت ضد الحرم الإبراهيمي الشريف، والتي توجت بالمذبحة المروعة ضد المصلين العرب، لم تكن لتقع أصلاً لولا تلك النوايا والمخططات والسياسة والإجراءات السافرة التي تستهدف تهويد الخليل والهيمنة عليها هيمنة كاملة .
- كما انها لم تكن لتقترف أيضاً لولا وجود دويلة المستوطنين الإرهابية المنفلتة، ولولا الغطاء والدعم الشامل الذي تقدمه سلطات الاحتلال الإسرائيلي لها.
- يضاف الى ذلك إن مسلسل الجرائم المتصل ضد الحرم الإبراهيمي، وأن تلك المذبحة، قد وقعت كلها في إطار صراع الإرادة و الوجود والهوية والانتماء الدائر على أرض الخليل .
- وكان من أخطر تداعيات المذبحة أن أقدمت حكومة رابين آنذاك على تقسيم الحرم الإبراهيمي الشريف، مما شكل سابقة خطيرة في الاستيلاء على المقدسات الإسلامية وتهويدها .
ولذلك نوثق في الخلاصة المفيدة ان الصراع في البلدة القديمة لمدينة خليل الرحمن لا يقل خطورة عن ذلك الصراع المحتدم على السيادة على المدينة المقدسة، فدولة الاحتلال تشن عملياً هجوماً استراتيجياً مفتوحاً لأحكام التهويد والسيطرة على المدينتين، وكل ذلك مع بالغ الأسى والأسف في ظل صمت وفرجة عربية لا تغتفر...!
كاتب فلسطيني