في كل مرة تقرع أميركا طبول الحرب حول إيران تبدأ قراءة جديدة للوضع بمعنى أن خطوة جديدة نحو الحرب قد تحققت. هذه المرة قرعت الولايات المتحدة - والمعذرة من المطربة ماجدة الرومي - «طبلاً فرنسي الرنين». هذه المرة، ولأول مرة، فرنسا بأعلى صوتها وبأحد أعلى شخوصها - وزير الخارجية الاشتراكي «السابق» برنار كوشنير: يجب أن نكون مستعدين للأسوأ، والأسوأ هي الحرب.

أحد المراقبين علق على مواقف فرنسا بخبث بأن باريس لن تحارب طهران مستخدمة مجموعة حاملة طائراتها البحرية الوحيدة، فهي غالية جدا. إنها بذلك تريد التعبير عن دعمها للتوجه الأميركي بالنسبة لإيران. وبهذا تتبادل فرنسا مع بريطانيا دور التابع - الشريك لاستراتيجية الحرب الأميركية. ولما لفرنسا من دور «الإطفائي» المشهود له في أزمات الشرق الأوسط فإن موقفها الراهن يبعث على التساؤل والخوف معا.

ولحدة هذه التصريحات فقد أثارت حفيظة الرأي العام العالمي بما لم تتوقعه الولايات المتحدة وفرنسا. وجدت وزيرة الخارجية الأميركية ضرورة امتصاصها بعض الشيء حين تحدثت تفضيلها الحل الدبلوماسي على العسكري. وعلى إثرها تراجعت فرنسا على لسان وزير دفاعها ووزير خارجيتها تباعا.

وهكذا سقطت فرنسا في أول امتحان. وإذ اعتاد العالم على تكرار دعوات الولايات المتحدة لمجلس الأمن الدولي بتشديد العقوبات الاقتصادية ضد إيران، فقبل الاجتماع الأخير الذي عقد في واشنطن للدول الخمس الأعضاء في المجلس + ألمانيا، كانت فرنسا هي الداعية إلى إقرار حزمة جديدة من هذه العقوبات. لكن الدول الست أرجأت القرار إلى شهر نوفمبر بعد صدور تقريري خافيير سولانا ومحمد البرادعي من المفوضية الأوروبية ووكالة الطاقة الذرية، خصوصا بعد أن جاءت تصريحات الوكالة الأخيرة لصالح إيران.

كما أن الدب والباندا في مجلس الأمن أعلنا أنهما إذ مررا العقوبات في المرتين السابقتين فلن يفعلا ذلك ثالثة. وهكذا سقطت فرنسا في الامتحان الثاني أيضا. أصبحت فرنسا تبدو وكأنها تريد أن تلعب دورا تابعا لا تعرف هي كنهه. وفي هذا مبعث الخطر.

فمع كل التصريحات الأميركية المهدئة لم يتراجع شبح الحرب. الولايات المتحدة تتصرف تجاه إيران وكأنها مبرمجة سلفا. فهي لا تريد الخروج من العراق، لأن العراق محطتها للانطلاق في استراتيجيها قدما لما بعد العراق. الحضور الإيراني في العراق يشكل تهديدا للأميركيين لا يمكن إبعاده إلا باستعجال ضرب إيران.

إسرائيل مبرمجة في ذات الاتجاه أيضا. لقد منيت بهزيمة مادية ومعنوية كبرى في حربها العام الماضي على لبنان. وتدرك جيدا أن حزب الله استمد ويستمد قوته العسكرية ومهاراته ومعنوياته القتالية من إيران. ولكي تبعد عن نفسها خطر هزيمة قادمة فلا بد من إنزال ضربة ماحقة بإيران.

حماية المصالح الأميركية في المنطقة وضمان الأمن والتفوق الإسرائيلي صنوان لا يفترقان. وتجاه إيران بالذات يتماهى الموقفان الأميركي والإيراني تماما.

بل ان إسرائيل تستعجل الولايات المتحدة لتوجيه الضربة وتعلن عن استعدادها لأن تكون البادئة. هذا الموقف الإسرائيلي لم يكن بهذه القوة في كل الحروب السابقة التي شنتها الولايات المتحدة الأميركية في المنطقة. وهذا الموقف إلى جانب الموقف الفرنسي إنما يعجلان في تسارع عجلة الآلة العسكرية المندفعة بكل قوتها أصلا.

وفي حين تتراجع القوة المالية والاقتصادية الأميركية ووجاهتها الدبلوماسية العالمية فلم يتبق لها من سلاح للحفاظ على هيمنتها العالمية سوى السلاح ذاته.

وقد كشفت عن أنها مستعدة لإشهار هذا السلاح من خلال ما بثته قناة فوكس نيوز التلفزيونية حول الخطط الأميركية الجاهزة لضرب إيران كرد على رفض ألمانيا القاطع بتشديد العقوبات على إيران لدرجة وقف استيراد النفط منها وتصدير منتجات النفط إليها. هنا تريد الولايات المتحدة القول إنها قد استنفذت كل الممكن قبل أن توجه ضربتها إلى إيران.

إيران لا تستطيع أن تتراجع عن تطوير برنامجها النووي لأنها تربط بهذا البرنامج مستقبل تطورها الاقتصادي الاجتماعي ودورها الريادي الإقليمي. وقد أقر لها العالم هذا الحق، وهي مستعدة للدفاع عنه بأي ثمن. لكن الثمن غال بكل تأكيد، والذي سيدفعه هم شعوب المنطقة.

فالخبراء المتابعون يسيرون إلى أن إيران أصبحت تمتلك ما يزيد على ألف صاروخ من طراز «شهاب - 3» المطورة عن الصواريخ الكورية والتي تعتبر ذات قطر تأثير ودقة إصابة أكبر من صواريخ «سكاد» السوفييتة القديمة، وتستطيع أن تصل إلى أهداف تبعد حتى مسافة 1200 كلم.

ستمئة منها مصوبة نحو أهداف في إسرائيل، والباقي يمكن أن تطال مواقع القوات الأميركية في البر والبحر وتستهدف ناقلات النفط في مضيق هرمز وأهدافا متعددة في بلدان منطقة الخليج.

يقدر الخبراء أن مضادات الصواريخ الأميركية والإسرائيلية قد تعترض مئات من هذه الصواريخ الإيرانية، لكن ما لا يقل عن أربعمئة منها ستصل مصيبة أو مخطئة أهدافها. إذا طالت الحرب فقد تحمل هذه الصواريخ رؤوسا نووية وقبل ذلك فاحتمال حملها لشحنات كيماوية وبكتيريولوجية واردة أيضا.

ولا يستطيع أحد أن يقدر بالضبط الآثار التدميرية التي ستحدثها ردود الفعل الإيرانية، لكن الأكيد أنها ستكون كبيرة جدا. ولن تعني استعدادات بلدان الخليج لهذه الحرب إلا أمرا واحدا، وهو انتظار الخسائر البشرية والمادية الجسيمة وواقع عودة بلداننا عشرات السنين إلى الوراء، وانتظار أن تصبح المنطقة مسرحا لتطاحن قوى كبرى غير التي بدأت الحرب بحثا عن «حصصها» من مخزون النفط العالمي في هذه المنطقة.

العمل المثمر الوحيد هو العمل على درء هذه الحرب وشرورها. وكما للدور الإسرائيلي والفرنسي من أثر فعال في تعجيل الحرب كذلك يمكن أن يكون لبلدان المنطقة خصوصا دورها في منع هذه الحرب من الحدوث.

أيام الحرب على العراق رفضت تركيا منح أي تسهيلات عسكرية للجانب الأميركي رغم أنها عضو في حلف شمال الأطلسي ( الناتو) ، ولم تخسر من هذا الموقف شيئا، بل استفادت الكثير. ولم تخسر أذربيجان في مساعيها الجدية من أجل درء الحرب شيئا، بل كسبت تعاونا اقتصاديا مع إيران عاد عليها بالنفع.

ولم يخسر البابا شيئا حين رفض استقبال وزير الخارجية الأميركية في جولتها من أجل الحرب، بل كسب احترام العالم وسبب للإدارة الأميركية حرجا كبيرا.

ولو أن بلداننا اتخذت موقفا حاسما بمنع استخدام أراضيها ومياهها الإقليمية كمنطلق للأميركيين في الحرب على إيران لشكل ذلك إضافة ذات قيمة كبرى للجبهة العالمية المناهضة للحرب للحيلولة دون جريمة جديدة ترتكب ضد إيران وشعوبنا والعالم.

كاتب بحريني