يبدأ عام وينتهي عام، ومع مقدم رمضان في كل عام يتبادل المسلمون التمنيات أن يعود رمضان في المقبل من الأعوام بالخير والبركة والسلام في عالم أصبح بظلم الإنسان لأخيه الإنسان يصطلى بالصراع بين من يدقون أجراس السلام وبين من يقرعون طبول الحروب، و يندر فيه الخير وتقل فيه البركة، ويعز فيه السلام.

ولا يكاد ينتهي عامٌ بمشاكله وتوتراته وصراعاته وحروبه، وتذوق الشعوب مرارتها وتكتوي بنيرانها وتروع بسفك الدماء فيها، وتتمنى أن تعود العقول إلى الرؤوس، والضمائر إلى القلوب لتعود الحقوق لأصحاب الحقوق فتتوقف الحروب ويعم السلام.

إلا ويأتي العام الجديد مصحوباً بطبول حرب جديدة يقرعها مجانين السياسة من مدمني النفط والكحول، ومن تجار الحروب والسلاح الأشرار بافتعال صراع جديد لإشعال حرائق عالمية جديدة، بما ينذر بالمزيد من الكوارث المادية والمآسي الإنسانية لملايين الضحايا من القتلى والمشردين من المدنيين المسالمين.

لقد سئمت الشعوب المحبة للحرية والسلام في العالم هذا الجنون اللاإنساني الذي يغذيه لوبي المصالح الاقتصادية بمحركاته الصهيونية وأدواته الأطلسية لصنع المشاكل الوطنية وتصعيد التوترات الإقليمية وتسخين الصراعات الدولية، فنشطت الحركات المناهضة للحروب الدائرة ضد العراق وأفغانستان وللتهديدات بالحرب ضد إيران، وخرجت المظاهرات الشعبية بالآلاف في العواصم الأوروبية والأميركية منددة بمجانين العالم من دعاة الحروب.

وفي البلاد العربية والإسلامية خصوصا في هذا الشهر الكريم، يصلي المسلمون للسلام لأنه أحب الأسماء إلى الله ولأنه تحية الإسلام، سلام الحق وسلام العدل، السلام لا الاستسلام لعدوان المعتدين أو إرهاب المحتلين والدعاء إلى الله أن ينصر المدافعين عن كل حق، و ينزل على الأرض من رحماته لتكون الأيام والأعوام المقبلة أيام خير وأمن وسلام لكل بني الإنسان.

ورغم صلوات المصلين من أجل السلام إلا أن الحقيقة الثابتة هى أن الصراع هو قدر الإنسان شريراً أو خيراً كان، ويبدو جبريا لا اختياريا، وطالما بقي الخير والشر فلا يمكن الظن أن الصراعات ستنتهي من العالم.. وربما يتساءل الكثيرون لماذا الصراع؟ وضد ماذا؟ وضد من؟ ومن أجل ماذا؟ ومن أجل من؟

والأسباب واضحة لأنه هو وليد النوازع البشرية المتنازعة، والضعف يغري الأقوياء على العدوان، والثروة تغري الطامعين على النهب، وطالما وجد الإنسان وجد الصراع ولن تنتهي الصراعات حتى آخر إنسان.

بسبب تناقض القيم، وتصادم الحاجات سيبقى الصراع قائما بين الحق والزيف، وبين الاستغلال والعدل، وما لم يصارع الإنسان في كل مكان ضد الزيف والاستغلال سيجد نفسه في النهاية يصارع ضد الحق والعدل.

والفارق بين مواقف أطراف أي صراع أي بين موقف الاعتداء أو موقف الدفاع هو في أخلاقيات الإنسان ومثله العليا فهي التي تحدد أين يكون في صراع مستمر.

مصداقاً لقوله تعالى: (الذين آمنوا يقاتلون في سبيل الله، والذين كفروا يقاتلون في سبيل الطاغوت).

والصراعات تتعدد أشكالها وصورها من عصر لآخر ومن مجال لآخر، فالصراع العسكري يمثل أداة الحروب الاقتصادية أو الثقافية، فهو الصراع الذي يحدث فيه اعتداء ودفاع باستخدام أدوات تدميرية وتخريبية لحسم الصراعات الإنسانية المختلفة.

ولأن الله هو «السلام» وهو «العدل» وهو «الحق»، فالذين يدعون للحق و للعدل والسلام ليسوا طلاب حروب ولكنهم جنود الحروب إذا فرضت عليهم لرد العدوان بالعدوان، ولكنهم يدعون للسلام لأنه طريقهم إلى الله.

أما الحمقى والمجانين من تجار السلاح وتجار الحروب الذين يدقون طبول الحرب، لأجل الاستيلاء على ثروات الغير، فهؤلاء هم دعاة الظلم والشر، وهم سبب الفقر والحروب والمجاعات والدمار والإرهاب في العالم كله.

والإنسان المسالم رغماً عنه عليه أن يتولى إدارة الصراع المفروض عليه، ويجد نفسه مضطراً لإتقان ما يكرهه وهو آلة الحرب والدمار والذي هو جزء من الصراع الدائم دوام الحياة الإنسان.

وإذا كان لابد من صراع، فبدلاً من الوقوف موقف العدوان على حقوق الإنسان وأوطان الشعوب فلنصارع جميعاً للدفاع عن العدالة الغائبة في هذا العالم، فهي طريق سلام الإنسان وأمان العالم.

mamdoh77@hotmail.com