فكرة دمج الإسلاميين في المشروع السياسي وخاصة في منطقة الشرق الأوسط هي محل جدل كبير بل هناك شكوك في إمكانية نجاحها وخاصة بعد تراجع ملحوظ في الدعوة إلى نشر الديمقراطية في الشرق من قبل الحكومة الأميركية التي طرحت الفكرة التي تم مواجهتها بالكثير من النقد.
هذه الدعوة كانت بمثابة ردة فعل متسارعة سبقتها أحداث سبتمبر الشهيرة والتي يقف خلفها تيارات متشددة من الإسلاميين ممثلا (بالقاعدة) التي نفذت وشاركت في الأحداث السبتمبرية.
التيارات الإسلامية على اختلاف أشكالها دائما ما تطرح فكرة قدرتها على القيادة السياسية لشعوب المنطقة بغض النظر عن كونها تيارات إسلامية معتدلة أو متطرفة أو سلفية.
المراهنة على تلك التيارات تدخل منعطفا جادا وخاصة أن الشعوب الإسلامية في الشرق الأوسط تبدي ثقة مقبولة لتلك التيارات في أوساطها دون وعي مكتمل بفكرتها. المشروع الإسلامي السياسي سواء لدى المتشددين أو المعتدلين اثبت انه غير مكتمل بل إنه يأتي في سياق تاريخي يصعب تطبيقه على الأرض.
القضية ليست مجرد استرجاع تاريخي لفترة زمنية بعينها، المشروع السياسي تجربة حاضرة لا تحتمل الماضي بأكمله وإلا أصبحت جزءا منه. الفئات المعتدلة من الإسلاميين اتخذت من الاعتدال فكرة تروج بها منهجها البرجماتي فهي تعبّر عن (نفعية) متأصلة في الحوار من اجل الوصول إلى المواقع السياسية.
كما تبدو علاقتها بالمجتمعات أكثر عمقا من غيرها وهذا فيه خداع كبير، ففهم هذه العلاقة مازال قاصرا عن الوضوح للمتابعين. هناك لغات فكرية مختلفة يتحدثها الشارع الإسلامي وخاصة فيما يتعلق بكيفية فهمه للإسلام بينما يصرح المعتدلون أو من يرمز لهم (بالوسطيين) بأنهم على اتفاق دائم مع الشارع الإسلامي فلذلك لديهم القدرة على قيادته والتحكم باتجاهاته.
المتشددون لديهم نفس اللغة ولكن بطريقة أخرى فهم يضعون الخلافة الإسلامية في إطار منهجهم السياسي معبرين عن قدرتهم على ترتيب القضايا الاجتماعية السياسية والاقتصادية في المجتمع بمجرد وصولهم إلى السلطة. الحقيقة انه قبل الحكم على قضية الإسلاميين فإنه لابد من تفسير العلاقة التي تحكم الشارع الإسلامي بمن يسمون أنفسهم بالمعتدلين أو من يسمون أنفسهم بالسلفيين المتشددين.
الفرد المسلم غالبا يري غضاضة في تعريف رجل الدين بأنه رجل سياسة ففي نفس اللحظة يعتبر المسلم رجال الدين موجهين دينيين لديهم القدرة على إعطاء إجابات لكل الأسئلة المطروحة سواء كانت على شكل فتاوى اجتماعية أو سياسية أو اقتصادية. هنا يبرز مفصل أساسي في القضية السياسية والاجتماعية للتيارات الإسلامية، وخاصة عندما تعتقد المجتمعات أنها سوف تجد إجابة مكتله لكل عناصر الحياة من رجل الدين وحده.
المجتمعات المسلمة تتلقى توجيهات من رجال الدين أكثر من الحكومات فهي تتلقى من الحكومات الأنظمة والقوانين وتفرض عليها الحكومات مواقفها السياسية بينما تتلقى من رجال الدين وقادة الفكر الديني منهجيات حياتها وموقفها من القضايا السياسية والاقتصادية.
ولهذا إذا أصيبت العلاقة بين الديني والسياسي بشي من التوتر ظهر ذلك على الحياة الاجتماعية وهذه تجربة يمكن أن نراها في علاقة الإخوان المسلمين بمصر أو السلفيين في الجزائر أو بعض الدول الخليجية.
رجل الشارع يقف بشكل دائم مع الديني لسب عاطفي وذلك بسبب فهمه المحدود لدوره الاجتماعي واعتقاده أن رجل الدين يملك العصا السحرية لحل كل المشكلات وان رجل الدين شكل مقدس يستمد قدسيته من الواقع الفكري الذي ينتمي إليه، وهنا يتضح أن رجل الشارع لا يفرق بين الدين العقيدة وبين العالم الديني كإنسان وهنا الخطورة الأكبر في فهم القضية السياسة الدينية.
المجتمعات الإسلامية سواء في الشرق الأوسط أو غيره ليست دولا «ثيوقراطية» بشكل كامل حتى وان بدت بعضها كذلك فهي تعرف أن المراهنة على التيارات الإسلامية كمشروعات سياسية سوف يشكل خطرا عليها فما بالك بمراهنة الغرب على هذه التيارات... سؤال مقلق لتلك الدول..!
الشعوب الإسلامية ليست بحاجة إلى أن تلعب معها السياسة الغربية وخاصة أميركا بطرح التيارات الإسلامية كبديل لمشروعات سياسية قائمة، الشعوب الإسلامية بحاجة إلى وعي في حقوقها وكيفية مشاركتها السياسية لتدرك أين تكمن المنفعة الاجتماعية بدلا من اعتقادها المطلق بأن المشروع الإسلامي لم يعط فرصته بعد..!
بينما لو أعطى فرصته لعاد بتلك المجتمعات إلى مناطق مخيفة ولنا في الدول التي حاولت أن تلعب هذه اللعبة اكبر مثال. فالمشروع الإسلامي لا يطرح خططه ومشروعاته قبل الوصول إلى السلطة، وهنا تكمن الشكوك حوله حيث يضع الوصول إلى السلطة شرطا للإفصاح عن خططه.
الجميع يجب أن يدرك الفرق بين الوعي الديني وتكريس العبادات وتجديد الواقع الديني وبين الدين كمشروع سياسي يدير تكوينات دولة بأكملها.
في الولايات المتحدة طرحت دراسة قامت بها مؤخرا الباحثة (مني يعقوبيان) ،هذه الدراسة التي نشرها معهد السلام الأميركي وتحمل اسم (دمج الإسلاميين وتعزيز الديمقراطية) ركزت على ثلاث تجارب سياسية مهمة في الشرق الأوسط التجربة الأردنية والتجربة اليمنية والتجربة المغربية وقالت الباحثة إن هذه التجارب قد تؤسس لمرحلة من دمج الإسلاميين في المعترك السياسي.
تطرح الدراسة تجربة حزب العدالة والتنمية المغربي ودخوله المعترك السياسي في الانتخابات ومجهوداته في محاربة الفساد والتأكيد على المشاركة السياسية، كما تطرح الدراسة المشروع السياسي الأردني ومحاولة دمج الإخوان المسلمين في العلمية السياسية، أما اليمن فإن الدراسة تشير إلى إنشاء (التجمع اليمني للإصلاح) ودوره في العملية السياسية في اليمن.
في الحقيقة أن هذه الدراسة توصلت إلى عدة نتائج ولكن قبل أن اعلق على هذه الدراسة فإنه لابد من الإشارة إلى أهم نتيجة توصلت إليها الدراسة في نظري وهي في الواقع تنسف الكثير مما حاولت هذه الدراسة إبرازه هذه النتيجة تقول (أن أية استراتيجية أميركية لدمج الإسلاميين لابد وأن تراعي السياق السياسي والاجتماعي.
ومعرفة دور الدين في حياة المجتمعات والشعوب). من هذه النتيجة يمكن التوصل إلى عدة نتائج أهمها أن التجارب التي تحدثت عنها الدراسة كلها تجارب في دول ملكية أو شبه ملكية حيث تكون السلطة المطلقة لشخصية الملك، ثانيا: إن الدول التي تحدثت عنها التجربة هي صياغة متداخلة من مشروع إسلامي متكرس في البنية الاجتماعية والتنظيمية لتلك المجتمعات بجانب مشروع تنموي تطويري يحاول التوازن بين المنهجيات المحلية والعلمية في إدارة تلك المجتمعات.
فمثلا تجربة الإسلاميين في تلك الدول تركز على قضايا اجتماعية ونقدية عندما تطرح مشروعها الإسلامي بينما لا تطرح أفكارا مثل علاقتها بالغرب أو السياسات الخاصة بدولها نتيجة سيطرة الحكومة على القرار السياسي بالإضافة إلى أن الأحزاب الإسلامية في جميع الدول لم تتغير مواقفها المعروفة من الغرب.
التجربة الإسلامية لم تنضج بعد لكي تدخل المشاركة السياسية وطبيعة الدين وعلاقة المجتمعات الإسلامية به لم يتم فهمها، فهي معقدة إلى درجة كبيرة أضف إلى ذلك أن مشكلة الإسلاميين أنهم لا يستطيعون العمل في إطار سياسي يجعل هناك حدوا لطموحاتهم ومشروعاتهم فهم غالبا يرغبون في تجاوز غيرهم والسيطرة على الساحة الاجتماعية عبر ارتدادهم السريع للتاريخ.
كاتب سعودي