(سالم) شاب مواطن، أنهى العقد الثالث من عمره قبل سنتين، تخرج من الجامعة في الثانية والعشرين من عمره، لكنه لم ينخرط في مجال العمل إلا في الخامسة والعشرين، ليس لأنه أحب الركون إلى الراحة بعد التخرج، فقد طرق كل الأبواب حتى كلّت يداه، ووزع من سيرته الذاتية وصور خلاصة قيده وجواز سفره وشهادته الجامعية (لم تكن لديه شهادات خبرة بالطبع) مئات النسخ على كل الوزارات الاتحادية والدوائر المحلية والمؤسسات العامة والخاصة.

وسجّل اسمه في هيئات التوظيف الحكومية وشركات التوظيف الخاصة، غير متذمر من الرسوم التي تتقاضاها كل شركة ولا يستطيع استرجاعها حتى لو لم توفر له فرصة عمل، وعرض عليه أشخاص من جنسيات مختلفة تعيينه في وظائف (بعضها حكومي) مقابل مبالغ معينة لم يعترض على دفعها قبل أن يرأف الله بحاله فيحصل على وظيفة في إحدى مؤسسات الدولة عن طريق بعض المعارف بعد ثلاث سنوات من البحث والصبر والانتظار.

يتقاضى (سالم) راتبا شهريا مقداره ثلاثة عشر ألف درهم، الأمر الذي لم يتح له الحصول على مساعدة من صندوق الزواج عندما قرر أن يتزوج قبل ست سنوات. وقد رزقه الله بولد وبنت أدخلهما مدرسة خاصة بعد أن زعزعت ثقتَه بالتعليم العام الأخبارُ والمقالاتُ التي يقرؤها كل يوم في الصحف والمجلات، والشكاوى التي يسمعها في برامج البث المباشر بالإذاعات من قبل المعلمين والمعلمات وأولياء الأمور على حد سواء، وبعد أن سمع أن معظم المسؤولين في وزارة التربية والتعليم يلحقون أبناءهم بهذه المدارس.

وقد اتخذ قراره هذا رغم أن رسوم المدارس الخاصة ومصاريفها ترهق ميزانيته، خاصة وأنه لا يحصل على بدل تعليم للأبناء من جهة عمله لأنه (مواطن) بينما هذا البدل مخصص لغير المواطنين فقط في بعض الهيئات والمؤسسات! الأمر الذي ما زال يثير استغرابه، لكنه لا يتوقف عنده كثيرا لأن هناك أمورا أكثر أهمية تشغل باله ولا تتيح له مجالا للتفكير في أمر كهذا يبدو إلى جانب تلك الأمور ثانويا لا يستحق عناء التفكير فيه.

حصل (سالم) على قرض من مشروع الشيخ زايد للإسكان، وحاول بكل الطرق أن يكيف مبلغ القرض البالغ خمسمئة ألف درهم لبناء بيت يراعي فيه ظروف المستقبل، حيث إنه ينوي إنجاب المزيد من الأبناء للإسهام في حل مشكلة التركيبة السكانية التي تؤرقه وتؤرق كل الغيورين على هوية الوطن ومستقبله الذين يبحثون لها عن حلول تبدو حتى الآن شبه مستحيلة، لكنه لم يستطع أن يفعل ذلك رغم كل المحاولات التي قام بها الاستشاري لتنفيذ رغبته، لذلك اضطر إلى أخذ قرض من أحد البنوك، فكان هذا القرض هو الثاني الذي يلجأ إليه بعد أن كان قد اشترى قبل فترة سيارة عن طريق قرض أيضا وأصبح البنك يستقطع أكثر من ثلاثة آلاف درهم من راتبه.

أما قرض البناء فسوف يستنزف ضعف هذا الرقم تقريبا، الأمر الذي يعني أن المتبقي بعد استقطاعات البنوك لن يزيد في أحسن الأحوال عن ثلاثة آلاف درهم، هذا قبل أن يبدأ سداد قرض مشروع الشيخ زايد للإسكان المؤجل إلى ما بعد الانتهاء من إنجاز البيت الذي يشكل عنده أولوية لا يستطيع التخلي عنها بعد أن عانى على مدى السنوات الماضية من مشاكل الإيجارات التي أخذت ترتفع بشكل جنوني جعله يبادر إلى إنجاز حلمه المتمثل في بناء بيت يؤويه وأبناءه ويشعره بالاستقرار والأمان الذي يفتقده.

يمسك (سالم) بالآلة الحاسبة محاولا تحقيق هذه المعادلة المستحيلة المتمثلة في المبلغ المتبقي من الراتب، وكيفية تطويعه للوفاء بالتزاماته الحياتية الموزعة بين دفع مصاريف المدرسة الخاصة التي ألحق بها أبناءه، والوفاء باحتياجات عائلة متوسطة الحجم يُفتَرض أن استهلاكها معقول إلى حد ما لولا أن الغلاء الخارج عن السيطرة يرفع كل يوم من سعر هذه الاحتياجات إلى الدرجة التي أصبح معها توفيرها مشكلة حقيقية قد تضطره إلى مزيد من الاقتراض والديون واستخدام بطاقات الائتمان التي تغريه البنوك باقتنائها ويجد نفسه ضعيفا أمام الحاجة وإغرائها.

في هذه الدوامة يصبح (سالم) ويمسي، وليس ثمة ما يوحي بأن أزمته المالية في طريقها إلى الحل، بل هي تتفاقم يوما بعد يوم في ظل الديون التي تتراكم عليه، ويتطلب سدادها فترة زمنية حاول أن يحسبها فوجدها تصل إلى أكثر من ربع قرن، ليخرج في النهاية بأن هذه الديون ستنتقل معه إلى مرحلة التقاعد، وأنه يحتاج إلى معجزة إلهية للخروج من هذه الشرنقة التي تحيط به وتكاد تخنقه، لولا بقية من إيمان يملأ قلبه بأن هذا قدره الذي عليه أن يتقبله ويرضى به حتى لا يفقد تماسكه وقدرته على الاستمرار في الحياة وتربية أبنائه بالشكل الذي يتسق مع آماله وطموحاته التي حملها معه من مرحلة الطفولة، وتوشك الآن أن تتحطم على صخرة الواقع المرير الذي يعيشه ويراه أمامه.

يعجب (سالم) من أولئك الذين تقل دخولهم عن دخله كثيرا، ويتساءل كيف يديرون حياتهم في ظل هذا الغلاء الذي أصبح غولا مرعبا لا يستطيع أحد مواجهته، ويفكر كثيرا فيما سيفعل عندما يصل إلى سن التقاعد ويتقلص راتبه ثم يتجمد عند رقم معين لا يمكن زحزحته عنه. لكن أكثر ما يثير استغرابه هو هذه التقارير التي تتحدث عن تنامي طبقة «المليونيرات» في وطنه الذي ظهر فيه خلال عام واحد فقط تسعة آلاف ومئة مليونير جديد ليرفعوا العدد الإجمالي للمليونيرات إلى ثمانية وستين ألفا ومئة مليونير، مشكلين زيادة سنوية هي الأعلى في العالم وفق الإحصائيات التي قرأها إذا لم يكن مخطئا.

يتأمل (سالم) الأرقام الفلكية التي تدور حولها ثروة هؤلاء المليونيرات الذين لا يعتقد أنهم يتناسلون بهذه الكثرة لأنهم مشغولون بزيادة ثرواتهم، مما يعني أن هناك وجوها جديدة تدخل كل عام «نادي المليونيرات» لا تحمل جينات الأعضاء القدامى، لكنها تعرف (من أين تؤكل الكتف) كما تقول الأمثال التي قرأها في كتب التراث، ولكن أين هي هذه الكتف كي يتعلم من أين يأكلها أو يتمسّح ببقايا عظامها؟

يتسلح (سالم) بالحكمة التي حفظها منذ الصغر عن (القناعة) التي هي (كنز لا يفنى)... ولكن كيف له أن يقتنع بأن ما يعيشه ويراه هو العدل الذي يجب أن يؤمِن به أو المنطق الذي يجب أن يخضع له؟ ومن الذي يمكن أن يؤمِّن له حقه في العيش دون ضغوط أو ديون تثقل كاهله، في وطن يعمل على رفع المعاناة عن شعوب الأرض كلها، ويعاني هو فيه من تدبير أمور عيشه وتوفير الحد الأدنى من متطلبات الحياة لنفسه وأسرته؟

كاتب إماراتي

aliobaid4000@yahoo.com