أصوات الترحيب أو التلويح بالترحيب، التي صدرت عن جهات عراقية، بخصوص تقسيم العراق؛ كانت أشد خطراً على وحدة هذا البلد من تصويت مجلس الشيوخ الأميركي الأسبوع الماضي على مشروع قرار لتقطيعه إلى ثلاثة كيانات، ما أقره المجلس غير ملزم، فهو ليس قانوناً، وإدارة الرئيس بوش رفضته وقالت إنه لن يؤثر على سياستها، الكارثية بكل حال.

صحيح أنه اثار موجة عارمة من الاعتراض والرفض، خاصة في العالم العربي، وصحيح انه كان له وقع الانذار المبكر؛ الذي عزز الريبة والشكوك والمخاوف من النوايا الأميركية، لكنه جاء في سياق الصراع الدائر في واشنطن حول الحرب وورطتها وكيفية تقليص خسائرها، كما جاء محكوماً بحسابات تتعلق بمعركة الرئاسة الأميركية التي أخذت حملتها تطغى على المشهد السياسي الداخلي.

مع كل سلبياته يبقى بالمقارنة مع مواقف اطراف عراقية في هذا الشأن؛ أشبه بخدش صغير، فقبل ان تمضي على التصويت أيام قليلة، بدأت تتكشف الكوامن لدى بعض الفئات والجهات العراقية، أصوات الثناء الكردية على خطوة الشيوخ، ترددت بصراحة فاقعة..

ولم تمنعها الادانات القوية التي صدرت عن باقي مكونات وأطياف الشعب العراقي، كما لم تمنع التركمان العراقيين من الادلاء بدلوهم، طالما البازار قد انفتح، والمطالبة بإقليم رابع خاص بهم؛ إذا كان في الأمر تقسيم؛ بزعم ان ذلك «حق من حقوقه القومية»؛ مع التلويح باستخدام «الوسائل المتاحة لاقرار هذه الحقوق واقامة هذا الاقليم»!

طبعاً لم تكن لمثل هذه التطلعات ان تطفو على السطح بهذه العلنية؛ لو لم يحصل التصويت الأميركي المذكور. لقد حفزها وأعطاها شحنة تشجيع. بل شحنة هجومية، مستقوية بموقف جهة أميركية؛ ولو أنها لا تمثل الاجماع، لكن أيضا لو لم تكن هذه الاطراف تتحين الفرص للإفصاح عن حقيقة ما تضمره ولو لم تكن جاهزة قابليتها للاندفاع في هذا الاتجاه وبهذه الصورة الفاقعة؛ لما كانت استجابت بهذه السرعة وبهذا الوضوح. بل لكانت هبت بالرد السلبي والشجب لقرار التقسيم وكل طرح يؤدي أو يدعو إلى تأييد مثل هذا المشروع أو الحض عليه.

المؤسف والمؤلم أن الاستجابة من جانب هذه الاطراف لم تقتصر على ما جاء في مشروع القرار ـ تقسيم العراق إلى 3 كيانات ـ بل تعدته وأضافت إليه بحيث يأتي التقسيم موزعاً على 4 كيانات أو اقاليم. والخطورة البالغة هنا هي أن من شأن هذا التجاوب أن يرفد قرار مجلس الشيوخ ويعطيه من الزخم ما يمكنه من التحول إلى خيار جاد يحمله أصحابه للترويج له والعمل على فرضه كسياسة يجري العمل على وضعها موضع التنفيذ. فالأصوات المرحبة تغذت من التصويت؛ وهذا الأخير لابد وان يتغذى منها.

إذا كان قرار مجلس الشيوخ لا يخلو من الحماقة، لكونه يتلاعب بمصير بلد وشعب ويهدد بالمزيد من الكوارث فإن الاستجابات التي توالت من الداخل العراقي تشكل الأرضية الخفية لترجمة هذا التهديد المدمر، على كافة مكونات الشعب العراقي ان تتصدى لمشاريع نحرها والوصفات المؤدية الى تمزيقها، فهي سالمة بقدر ما الوطن العراقي سالم، والعكس صحيح، وفي التاريخ شواهد عديدة.