يضغط أعضاء الكونغرس الديمقراطيين من وقت إلى آخر على إدارة الرئيس جورج بوش من اجل تغيير استراتيجيته في العراق بما يتيح انسحاباً تدريجياً من ارض الرافدين التي حولها الغزو الأميركي قبل أربع سنوات إلى ساحة للدمار والخراب والاقتتال على الهوية المذهبية والعرقية، لكن بوش لا يزال يصر على تحقيق المهمة وجلب نصر شبه مستحيل في ظل كافة المعطيات على أرض الواقع.

تملص بوش من تقرير لجنة دراسة العراق التي رأسها وزير الخارجية الأميركي الأسبق جيمس بيكر والنائب الديمقراطي لي هملتون والتي وضعت ما يشبه خريطة طريق تحفظ للبيت الأبيض ماء الوجه والخروج المشرف من المستنقع العراقي.

ورأى البعض أملا في تقرير جديد عكف قائد القوات الأميركية في العراق الجنرال ديفيد بترايوس والسفير الأميركي لدى بغداد ريان كروكر، غير ان التقرير جاء مخيبا للآمال وتحدث عن انخفاض في مستويات العنف وعن أن ثمة تحقق يجري في الميدان وهو ما دفع بوش إلى العودة إلى تكرار اسطوانته المعهودة عن إمكانية انجاز مهمته وجلب الديمقراطية إلى العراقيين باعتبارها الهدف بعد فشله في العثور على أسلحة الدمار الشامل التي كانت مبررا لتسويق الحرب.

تقرير بترايوس شجع بوش وحفزه على طلب المزيد من الأموال للحرب وطالب الكونغرس بخمسين مليار دولار إضافية للإنفاق على إستراتيجية زيادة عدد القوات التي اقرها في يناير الماضي وأرسل بمقتضاها أكثر من 30 ألف جندي في محاولة للسيطرة على العنف وإراقة الدماء في العراق، لكن القتل اليومي مازال مستمرا والسيطرة على بغداد التي زادة القوات من أجل إحكام القبضة عليها لا يزال أكثر من 85% من إحيائها خارج تلك القبضة باعتراف القادة العسكريين الأميركيين أنفسهم.

نحن إذن أمام خداع غير معهود للنفس، من قبل إدارة تصر على المضي قدما إلى هوة الفشل راضية مرضية وهي تحسب أنها في الطريق لجلب أكاليل الغار، رغم أن أصوات المحذرين من الكارثة لا تتوقف سواء من داخل البيت الأميركي أو خارجة، لكن ماذا تفعل أمام إدارة تعاند الجميع وتصر على أنها تمتلك الحكمة وتحتكر الحقيقة وحدها.

الديمقراطيون الذين حازوا الغالبية في الكونغرس بمجلسيه (الشيوخ والنواب) أملا في إحداث تغيير جذري في إستراتيجية بوش في العراق،كما وعدوا ناخبيهم، نراهم أعجز من أن يفوا بتلك الوعود وهو ما جعل أصواتاً أميركية اختارتهم تصلب بالإحباط.

هذا الوضع ولد سخطا في الدوائر الشعبية ومناهضي الحرب الذين عادوا إلى لعبة التظاهر ضد الحرب مجددا وتنقلوا ما بين البيت الأبيض حيث يسكن بوش، ومبني الكونغرس إلى يجلس على مقاعده النواب والشيوخ المنتمين إلى الغالبية الديمقراطية التي ظنوا أنها ستكون سندا ومعينا يغير مسار الأحداث ويجبر الإدارة على سماع صوت المحتجين على سياساتها فإذا بهم يفضلون المناورات الحزبية والانغماس في الإعداد للانتخابات الرئاسية على حساب التي قطعوها لناخبيهم قبل الولوج إلى أروقة البرلمان.

والأخطر أن أعضاء الكونغرس فضلوا الضغط على بوش من بوابة تفتيت العراق ووافق مجلس الشيوخ أخيرا على قرار ينادي بتقسيم البلاد إلى ثلاثة مناطق واحدة كردية في الشمال وسنية في الغرب وأخرى شيعية في الجنوب بدعوى العراق الفيدرالي.

صحيح القرار غير ملزم الإدارة بوش وهو أشبه بالتوصية إلا أن هذا الحديث يمثل إعلاناً لرغبة أميركية لتفتيت المنطقة إلى المزيد من الكيانات والكنتونات في إطار الشرق الأوسط الجديد الذي يعمل الأميركيون على فرض أركانه.

الديمقراطيون الذين يفتقدون إلى القيادة المحنكة، وبدلا من التركيز على تغيير استراتيجية بوش وفي العمق بدوا مشتتين ويفتقدون الاستراتيجية لفرض أجندتهم التي انتخبوا على أساسها وربما يكون ذلك هو ما يجعل بوش متفائلا بفوز جمهوري في الانتخابات الرئاسية لخلافته رغم كل الحماقات التي ارتكبتها إدارته على مدى السنوات السبع الماضية منذ توليه منصبه في الدورة الأولى والثانية.