يقترب موعد الاجتماع الدولي في واشنطن وتبقى لا بل تزداد الالتباسات المقصودة والتصريحات الإيحائية والمفتوحة على تفسيرات متناقضة أو متضاربة أحيانا لطمأنة كافة المدعوين الأساسيين وجذبهم لهذا المؤتمر الذي يبقى لحينه دون جدول أعمال محدد ودون ميكانيزم واضح.
يتصور البعض أو تحديدا يتمنى ان يكون الاجتماع بمثابة «مدريد» مخفضاً أو مصغراً والموقف هذا يمثل الاجماع الدبلوماسي العربي الرسمي لكنه يبقى في باب التمنيات والمناشدات علما ان المناشدة والتمني لا «تصرف» في العمل الدبلوماسي بقدرة تأثير في تحديد سياق أي عملية دبلوماسية.
وتبدو مفارقة مهمة في هذا الاطار وهي ان «الموقف العربي» الرسمي والمعلن يذهب في رؤيته وهو عن حق في هذا الأمر بسبب تجارب ودروس الماضي، يذهب ابعد من «مدريد» من خلال التأكيد على ضرورة احداث مقاربة شاملة تتناول كافة قضايا الوضع النهائي وكافة المسارات التفاوضية دون ان تمضي هذه المسارات بشكل متواز بالضرورة .
وبجدول زمني محدد وبضمانات للتنفيذ من الطرف الثالث: الولايات المتحدة تحديدا والرباعية اجمالا، باعتبار ان دروس الماضي دلت على هشاشة محاولة تجزئة عملية السلام أو الاستمرار في منطق الحلول المؤقتة وبناء الجسور إلى منتصف النهر، لكن رفع السقف ليتخطى مدريد وهو صحيح على المستوى النظري يأتي في وقت لا تسمح الأوضاع فيه ببلورة ما هو دون مدريد بأشواط وذلك لعدة أسباب: أولا، كما نذكر دائما هذا لقاء أو اجتماع وليس مؤتمراً وبالتالي لا يمكن حتى التمني بصدور قرارات أو توجهات وسياقات ملزمة.
انه يندرج ضمن منطق ما يعرف بمرحلة ما قبل التفاوض وبأشواط، ثانيا ان الوضع الاقليمي الدولي في ظل الحرب الباردة المشتعلة في المنطقة وحول المنطقة تدفع لمحاولة توظيف دبلوماسية الصراع العربي الاسرائيلي في صراعات المنطقة وليس باتجاه تسوية هذا الصراع أولاً للأهمية الذاتية لذلك وثانياً كمدخل لاحداث تغيير في البيئة السياسية الأمنية في المنطقة ولكن على أسس مختلفة من الأسس التي تدفع باتجاه الصراع.
وثالثاً، لا توجد رؤية أميركية تطبيقية وعملية يعبر عنها بالتزام جاهز لتسوية هذا الملف كما يعبر عنها بوجود هذا الملف في طليعة اهتمامات الإدارة الأميركية في سنتها الأخيرة فالاثنان غائبان. ورابعا، غياب مرحلة التحضير الفعلي والجاد والكثيف للقاء من هذا النوع ولا أدل من ذلك الا المقارنة بمرحلة التحضيرات في تنوعها وكثافتها ومستواها التي سبقت انعقاد مؤتمر مدريد عام 1991.
وخامسا، غياب أي إشارة إلى المرجعيات الدولية القانونية من قرارات مجلس الأمن وغيرها وكذلك من المرجعيات الدولية السياسية مثل افكار كلينتون ورزمة طابا ومبادرة السلام العربية وغيرها. فهنالك فراغ مرجعي وربما ما قد يحصل في اللحظة الأخيرة قد يكون نوعاً من الاشارات غير الملزمة نحو بعض هذه المرجعيات.
على صعيد الأطراف المعنية مباشرة، تبدو القيادة الفلسطينية في وضعها الراهن وخاصة بعد 14 يونيو الماضي وفك الارتباط الذي حصل عمليا بين الضفة والقطاع، تبدو غير قادرة على التهديد الجدي بالمقاطعة كونها لا تملك بديلا آخر في الوضع الراهن وبناء على التوازنات القائمة وبعيدا عن الشعارات التي تطبع السياسة في المنطقة وكون الفلسطينيين بحاجة لأي ثقب في الجدار للدخول عبره إلى المفاوضات من خلال كسر الجمود القائم .
وهم غير قادرين من جهة اخرى على الذهاب بعيدا بالسرعة أو المنحى التي يحملها الاجتماع بسبب الضعف الذاتي وغياب أي أفق فعلي للتسوية يمكن المجازفة بتقديم تراجعات رسمية تجاهه إلى جانب بالطبع غياب تغطية عربية فعلية وواسعة لتوجه من هذا النوع.
حكومة اولمرت وتحديدا رئيسها يريد من هذا اللقاء / الاجتماع تعزيز وضعه في الحكومة وفي الحزب وفي السياسة الاسرائيلية وتوفير شبكة أمان وورقة ضمانة له بالاستمرار كأحد شركاء ما بعد المؤتمر. لكن الموقف الاسرائيلي واضح فهو يقول ببيان مشترك واعلان نوايا وبعدم تناول القضايا الحساسة والأساسية وبرفض كلي ومبدئي لأي اتفاق اطار يطالب به الفلسطينيون الان.
ويبدو ان المباحثات القائمة على الصعيد الفلسطيني الاسرائيلي لم تصل إلى بلورة التزامات واضحة تذهب ابعد من الحديث عن عناوين عامة يريد الفلسطينيون إعطاءها مضامين ملزمة في حين يريد الاسرائيليون ابقاءها مائعة وضبابية وقادرة على ان تحمل الشيء ونقيضه ومتحررة من أي التزام.
فيما يتعلق بواشنطن تبدو هنالك اهداف خمسة وراء الدعوة والإصرار على عقد هذا اللقاء /الاجتماع أولا، تثبيت الوضع الفلسطيني الجديد من خلال منحه ورقة الدعم الدولي والأميركي على الصعيدين الدبلوماسي والاقتصادي من اجل التأثير في صياغة ميزان قوى جديد في البيت الفلسطيني لكن من الصعب النجاح في هذا الأمر طالما ان الدعم الدبلوماسي سيبقى فارغا من أي مضمون ورغم اهمية الخبز وضروريته لكنه ليس بديلا عن الأرض حتى يؤثر في تغيير المناخ السياسي الفلسطيني.
ثانيا، «دفع» شكلي للعرب من خلال هذا الانكباب على الملف الفلسطيني الذي بقي مهمشا منذ عام 2001 مقابل الحصول على دور عربي ناشط وفاعل وداعم للإستراتيجية الأميركية في العراق: انها مقايضة الموقف/ الوعد الأميركي بالدور العربي الناشط .
ثالثا، الدفع نحو احداث اصطفاف عربي اسرائيلي في المواجهة الدائرة في المنطقة وفي ملف أبعد من الصراع الفلسطيني الاسرائيلي وفي ملف اخر ما دون الصراع الفلسطيني الاسرائيلي كما اشرنا يتعلق بالبيت الفلسطيني الداخلي ويوفر في الوقت ذاته نوعا من التطبيع العربي الاسرائيلي الذي تريده كل من واشنطن واسرائيل مقابل الدعم المادي للشعب الفلسطيني والوعد السياسي دون أي افق محدد.
رابعا، محاولة خلق مناخ جديد عبر هذا الاجتماع يفرض التزامات على الفلسطينيين وعلى العرب في اطار دبلوماسية الصراع العربي الاسرائيلي ويفترض ان يفرض التزامات موازية على اسرائيل تبقى أقل بكثير من الالتزامات المطلوبة فلسطينيا وعربيا بسبب الاختلال الحاد في التوازن على ارض الواقع بين الفلسطينيين والاسرائيليين وبسبب الانحياز الأميركي للموقف الإسرائيلي وغياب التوازن في التفهم الأميركي والتسامح مع كل من الطرفين المشار اليهما.
خامسا، توضيب الملف الفلسطيني الاسرائيلي قبل تسليمه إلى الإدارة القادمة من خلال تحقيق انجاز في ترتيب وضع هذا الملف وتحديد المسار الذي يفترض ان ينتج عن هذا اللقاء.
بعيدا عن البهلوانيات اللغوية والصياغات الدبلوماسية الفضفاضة الحاملة لالتباسات مقصودة بغية إرضاء الجميع من فلسطينيين واسرائيليين وعرب يبدو ان هنالك احتمالات اربعة شأن هذا الاجتماع قبل اقل من شهرين من عقده:
1- التوصل إلى إعلان مبادئ أو إعلان نوايا يقوم على تفاهمات عامة وفضفاضة لكنه لا يعطي اية قوة دفع ولا أي بوصلة فعلية لاطلاق المفاوضات لاحقا ولا يؤسس لقاعدة صلبة ومرجعية ملزمة وواضحة لهذه المفاوضات، انه بمثابة اوسلو/2 .
2- التوصل إلى اتفاق إطار وهو المطلب الفلسطيني كأن تعود واشنطن إلى ما عرف باتفاق الرف الذي تم التفاهم عليه تحديدا بين وزيرتي خارجية الولايات المتحدة واسرائيل والذي ربط تفعيله بتحقيق الفلسطينيين لعدد من الشروط المطروحة أميركياً وإسرائيليا وتشجيعهم على ذلك بهذا الوعد، وعد اتفاق الرف غير الملزم على صعيد ترجمته في اطار زمني محدد.
قد يحصل هذا الأمر الذي يعني تحديد مواقف اقل من غامضة واكثر من عامة فيما يتعلق قضايا المرحلة النهائية فيما لو وجدت واشنطن ان البديل الآخر هو عدم انعقاد المؤتمر أو الفشل الواضح للمؤتمر وتكلفة هذين الأمرين على كافة الفرقاء المعنيين. فتدفع واشنطن بهذا الاتجاه كخشبة خلاص في الحد الأدنى الممكن ولكن المتقدم نوعيا ولو بشكل محدود عن اعلان المبادئ. ويمكن ان يساهم في التوصل إلى هذا الخيار وصول المباحثات الفلسطينية الإسرائيلية إلى نقاط اتفاق تجري تسريبات حولها حاليا دون ان تجري تأكيدات حول ذلك.
3- بهتان المؤتمر وفشله الضمني دون الاعتراف بذلك علنا والتحول إلى لقاء «التقاط صور» والاكتفاء بصدور بيان من صاحب الدعوة يعيد التأكيد على رؤية الرئيس بوش «للدولتين اللتين تعيشان جنبا إلى جنب» مع تضمين البيان النقاط التي تشكل عناوين عامة.
4-تأجيل الاجتماع والاكتفاء ببيان أميركي في الخطوط ذاتها المشار اليها في الاحتمال السابق.
كاتب لبناني