أخيراً تكرمت وزيرة الخارجية الأميركية رايس فأعلنت أن سوريا لن تحرم من حضور «المؤتمر» الدولي للسلام الذي أعلنت واشنطن عن عقده في نوفمبر القادم، وأنها ستكون بين الدول العربية المدعوة لـ «المؤتمر» الذي لا يعرف أحد ـ حتى الآن ـ ماذا سيناقش ولا ما هي القرارات التي ستخرج عنه، ولا ماذا ستفعل الأطراف العربية المدعوة غير التقاط الصور التذكارية؟
والمفارقة أن يأتي الإعلان عن النية في دعوة سوريا لحضور المؤتمر في وقت تتصاعد الحملة الأميركية والإسرائيلية عليها، فمن غارات بالطائرات الإسرائيلية، الى الادعاء بوجود برنامج نووي بالمشاركة مع كوريا الشمالية، والى إطلاق اتهامات بدعم منظمات «إرهابية» في الإشارة إلى منظمات المقاومة الفلسطينية واللبنانية، إلى ادعاءات بأنها لا تنفذ المطلوب منها في العراق أو لبنان أو فلسطين.
وإذا كانت دمشق ـ من جانبها ـ لم تحدد حتى الآن إن كانت ستقبل الدعوة أم تعتذر عنها، فإن السؤال الذي ينبغي طرحه هو: هل هناك جدوى من حضور العرب جميعهم لهذا «المؤتمر»®.
وإذا حضروا فتحت أي شروط ينبغي أن يكون حضورهم؟
المراقب للمواقف العربية يدرك بان هناك مقاومة شديدة للضغوط الأميركية في هذا الشأن وهناك إدراك بأن المؤتمر لن يحقق شيئاً حقيقياً.
وأنه لن يكون أكثر من مناسبة احتفالية يتم تقديمها للرأي العام الأميركي على أنها إنجاز للإدارة الأميركية يمكن أن يغطي الفشل الذريع في العراق، ويمكن أيضا أن يهيئ الساحة العربية ـ وفقاً لرؤية واشنطن ـ للاصطفاف بجانب أميركا في حرب محتملة ضد إيران، وهي حرب يدرك العرب إنهم وحدهم من سيدفع ثمنها الفادح إذا وقعت.
السعودية ومصر وهما الطرفان الأساسيان في الجانب العربي أعلنتا مراراً وتكراراً ضرورة أن تكون القضايا الأساسية مطروحة في المؤتمر، وأن تكون هناك خطوة أساسية على طريق الحل.
وهو ما لم يتحقق حتى الآن، ولا يبدو انه سيتحقق . وفي آخر تصريح للرئيس المصري تحدث عن (المؤتمر) الذي تحول إلى (لقاء) ثم تحول بعد ذلك إلى (اجتماع) والذي لا يعرف أحد حتى الآن اجندته، مشيرا إلى أن وزير خارجية فرنسا وهي الحليف الأثير الجديد لدى واشنطن كشف له انه لا يعلم شيئاً عن طبيعة هذا اللقاء!
إذا كانت فرنسا لا تعلم شيئاً، فمن الطبيعي أن باقي الأطراف الدولية لا تعلم شيئاً هي الأخرى، والعرب خارج التفاوض الحقيقي الذي تجريه واشنطن بين أبومازن وأولمرت، وهي تفاوض يتم الجزء الأكبر منه بصورة سرية.
وتحكمه في هذه الظروف بالذات عوامل لا يمكن أن تؤدي إلى تسوية عادلة، فعلى الجانب الإسرائيلي حكومة تريد أن تستعيد صورتها كقوة ردع عسكرية كبيرة بعد هزيمتها المدوية في لبنان، وعلى الجانب الفلسطيني حكومة فقدت السيطرة على قطاع غزة بعد انقلاب حماس عليها، وترتبط المساندة الأميركية والإسرائيلية لها باستمرار العداء بينها وبين حماس واستمرار الحصار على قطاع غزة الذي أعلنته إسرائيل (وأيدتها أميركا) أرضاً معادية.
في ظل الانقسام الفلسطيني ماذا يمكن أن تقدم إسرائيل من اجل السلام الموعود وفقاً لرؤية الرئيس الأميركي بشأن حل يقوم على دولتين؟
كان الحديث في البداية عن اتفاق «تاريخي» ثم بدأ التأكيد على ضرورة تخفيض سقف التوقعات، ومعها بدأت المراوغات الإسرائيلية المعتادة، وهو أمر طبيعي، فهم يعلمون أن «المؤتمر» هو احتياج أميركي في الأساس، وهم لن يقدموا (تنازلات !!) إلا مضطرين، وإذا قدموها فلماذا يقدمونها لرئيس لم يعد قادراً على فعل شيء فيما تبقى له من شهور في البيت الأبيض، ولماذا لا يتركوا ذلك للرئيس الأميركي القادم ليحصلوا على ثمن أي خطوة يقدمونها؟!
تخفيض سقف التوقعات انتهى إلى رؤية إسرائيلية تحيل الأمر كله إلى مهزلة، فأولمرت يرفض رفضاً قاطعاً طرح القضايا الأساسية في المؤتمر كالحدود واللاجئين والقدس، ثم يرفض اتفاقا ملزماً بخطوات محددة نحو الحل النهائي.
وبعد أن تم تخفيض المستهدف من «اتفاق تاريخي» إلى مجرد «إعلان نوايا»، أصبح المطروح من جانب أولمرت وحكومته هو بيان مشترك بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية يصاغ بصورة عامة ولا يتضمن التزامات بأي خطط محددة، بل يؤكد فقط على أن «المؤتمر» سيكون استهلالاً جديداً لعملية تفاوض من اجل السلام!!
أما دور باقي الأطراف المشاركة في المؤتمر وفقاً للموقف الإسرائيلي فهو أن توفر مظلة دولية لهذا البيان المشترك.. مظلة تغني عن الشرعية الدولية ممثلة في إطار رسمي خاضع للأمم المتحدة وتبتعد عن الالتزام بقراراتها!
أي أن المطلوب (وفقاً لهذا التصور ـ أن يكون العرب مجرد جزء من مظلة تعطي الشرعية لهذا الهزل السياسي الذي لا يقدم شيئاً حقيقياً لقضية السلام، بل يدفع المنطقة نحو المجهول برعاية أميركية لا يهمها إلا مصالحها ومصالح إسرائيل.
ووفقاً لهذا التصور مطلوب من السعودية أن تقدم خطوة مجانية على طريق التطبيع. ومطلوب من مصر أن تتخلى عن رؤيتها ـ التي أكدتها مرة أخري بلسان وزير خارجيتها قبل أيام وخلال محادثاته في أميركا - حيث أعلن ضرورة الانفتاح على حماس وليس حصارها وإعلان الحرب على قطاع غزة.
ومطلوب من سوريا أن تحضر مؤتمراً (أو اجتماعا أو لقاء) عن السلام في الشرق الأوسط لا يبحث إنهاء الاحتلال الإسرائيلي للجولان، ولا يتطرق إلى الاعتداءات الأخيرة التي تمت بموافقة أميركية، ولا يتوقف عند مناخ التحريض وتهيئة الأجواء لحرب محتملة ضد سوريا. ومطلوب من السلطة الفلسطينية أن تقبل استغلال أميركا وإسرائيل لما وقع في غزة وتحويله إلى كيان معاد يستحق العقاب ويعاني الجوع ليتحقق الهدف وهو استمرار الانقسام وضياع أي إمكانية لتحقيق الدولة الفلسطينية في الواقع.
والسؤال: إذا كان الأمر كذلك فلماذا يذهب العرب إلى مثل هذا المؤتمر (أو اللقاء أو الاجتماع) من الأصل؟ وأي نتيجة إيجابية يمكن توقعها في مثل هذه الظروف؟
ولماذا نقدم ما سيتم تسويقه إعلاميا واستغلالها سياسيا باعتباره خطوة على طريق التطبيع؟ وإذا كان الأمر سينتهي (كما يعدنا أولمرت وحكومته ـ ببيان مشترك بينه وبين أبومازن: فلماذا لا يحتفلان!! بهذا البيان وحدهما ومع الراعي الرسمي الأميركي؟
وإذا كانت بعض الأطراف الدولية يمكن أن تذهب لمثل هذا المؤتمر وهي لا تعرف طبيعته ولا يهمها الأجندة التي يبحثها وتدرك مقدماً أنها ذاهبة لالتقاط الصور التذكارية وتقديم خدمة للرئيس الأميركي بوش وإدارته.. فإن موقف الأطراف العربية يختلف، فهي لا تستطيع أن تكون مجرد جزء من مظلة دولية لبيان مشترك لا يقدم ولا يؤخر.
وهي لا تستطيع بعد أن قدمت رؤيتها الشاملة في المبادرة العربية التي قدمت أقصى التنازلات مقابل السلام، لا تستطيع أن تقبل بمجرد وعود بالتفاوض، ولا حتى بتسوية تستبعد قطاع غزة وتجعله أرضا مباحة للعدوان الإسرائيلي، ولا تستطيع أن تكون جزءاً من عملية بث الوهم الكاذب بسلام لا يمكن أن يتحقق في مثل هذه الظروف، وهي لا تنسى ـ ولا ينبغي أن تنسى ـ أن مثل هذا التحرك لبث أوهام السلام كان دائماً مقدمة لتمهيد المسرح أمام حروب أميركا في المنطقة.
العرب لا ينبغي أن يكونوا جزءاً من مظلة تريدها أميركا وإسرائيل، بل جزءاً أساسيا من حل شامل يعرف الجميع شروطه، ولكن إسرائيل (بالدعم الأميركي) تواصل الهروب من استحقاقاته.
نقيب الصحافيين المصريين