منذ قيام الولايات المتحدة باجتياح العراق واحتلالها لذلك البلد وسوريا تعيش حالة لا تحسد عليها من التوجس الناتج عن استمرار التهديدات الأميركية والأوروبية لنظامها السياسي. لذلك تبنت سوريا سياسة احتواء الخطر الأجنبي من خلال مجموعة من التدابير التي تدل كما يراها البعض على واقعية سياسية في التوجه ورغبة في مواجهة الخطر بجميع الأدوات المتاحة رغم محدوديتها.
فمرة نجدها تتشدد في مواقفها ومرة أخرى نجدها تميل نحو اللين في تعاملها مع بعض المواقف الحساسة كالجولان ولبنان والعراق. ويعتقد النظام السياسي السوري بأنه قد نجح إلى حد بعيد، بفضل مثل تلك السياسة، في حماية أمنه وضمان استمراره، وبالتالي لا يوجد في النظام السياسي السوري من يحاول أن يغير من هذا الأسلوب في الدبلوماسية.
والعلاقة الخاصة القائمة بين سوريا وإيران هي جزء من تلك السياسة، حيث ان كلاً من النظام السياسي السوري والنظام السياسي الإيراني يستغل علاقته بالآخر بطريقة تخدم مصلحته هو بالدرجة الأولى.
فكما أن النظام السياسي الإيراني يستثمر علاقة إيران بسوريا وحزب الله كورقة تهديد ضد المسعى الأميركي لضرب إيران وتغير نظامها السياسي فإن النظام السياسي السوري يستثمر هو أيضا علاقته بإيران في سبيل إبقاء الضغط على الولايات المتحدة لعدم توجيه ضربة عسكرية لإيران لأن دمشق تعلم جليا بأن فرص المواجهة بين الولايات المتحدة والنظام السياسي السوري ستكون هي الأكبر بعد إنهاء المهمة مع إيران.
كما أن النظام السياسي السوري يستثمر الدعم السياسي والعسكري والمعنوي الإيراني لحزب الله من أجل إشغال وإنهاك إسرائيل في الجنوب اللبناني. هذه السياسة السورية تنطلق بدرجة أساسية من أسس المصلحة الوطنية السورية ولاسيما مصلحة النظام السياسي السوري والساعية لردع المخاطر عن سوريا وضمان بقاء النظام السياسي رغم كل العواصف الإقليمية والدولية.
وبالطبع لا عيب في ذلك في قاموس السياسة عند الشريحة الأكبر من منظريها، فالسياسة مصالح قبل كل شي، ومصلحة الوجود هي مصلحة تفوق كل المصالح، ولكن عندما تأتي تلك السياسة بأضرارها على الأمن القومي فإن ذلك يستحق وقفة من المتابعة.
فالعلاقة المميزة بين سوريا وإيران لا يمكن أن تكون مرفوضة من قبل الدول العربية ولكن المرفوض هو التحالف الذي يأتي بأضراره على الأمن القومي العربي.
فنتيجة هذه السياسة على أمن المنطقة العربية أصبح لبنان يعيش حالة من الانقسام الرهيب، وأصبح الوفاق بين الفلسطينيين بعيد المدى، وأصبح العراق خارج نطاق سيطرة العرب؛ كما أصبحت سياسات كل من الولايات المتحدة وإسرائيل متخبطة إلى درجة أننا لا نستبعد شن حرب أخرى في المنطقة تأتي علي اليابس والأخضر، فالولايات المتحدة تضغط دبلوماسيا واقتصاديا وإسرائيل تعرض عضلاتها.
وبالتالي عندما تأتي دول عربية وتقول بأن السياسة السورية القائمة على التحالف مع إيران ومساعدتها على أن تجد لنفسها أرضاً خصبةً تعمل من خلالها في العالم العربي هي سياسة تضر بالمصلحة العربية وبالأمن العربي فهي تكون محقة في كلامها وفي مطالبتها بضرورة اتباع سوريا لسياسة خارجية جديدة أكثر اتزاناً مع الخط العام العربي.
فسياسة التوازنات التي كانت سوريا تعتمد عليها في فترة الرئيس حافظ الأسد كانت سياسة مثمرة لسوريا ولنظامها السياسي وكانت سوريا بفضلها في طليعة الدول العربية المنخرطة في الشأن العربي وكانت واحدة من أهم ثلاثة أقطاب عربية رئيسية لها تأثيرها على القرار السياسي العربي.
لكن اليوم وللأسف الشديد فقدت سوريا دورها الريادي عربيا نتيجة بعدها عن العلاقة التحالفية التي كانت قائمة مع القطبين العربيين الرئيسيين: مصر والسعودية. وكان الخيار الإيراني هو البديل الذي فضله النظام السياسي السوري الحالي على الدول العربية، الأمر الذي ألقى بضلاله على تراجع الدور السوري من جهة وتفاقم حدة الخلافات العربية ـ العربية من جهة أخرى، إلى درجة أن أصبحت سوريا كما يصفها البعض تقف في صف والعرب في صف آخر.
لذلك فسوريا بحاجة إلى سياسة جديدة تعيدها إلى الحاضنة العربية وتعيد دورها في العالم العربي، سياسة قائمة على النظر إلى المصلحة العربية فوق مصالح الغير، فسوريا دولة ذات نظام سياسي يتبع الواقعية أسلوبا في تعامله مع الغير. فلا يمكن لسوريا التي أعلنت مرارا وتكرارا رغبتها في الدخول في محادثات سلام لتسوية خلافاتها مع إسرائيل ووافقت على مبادرة السلام العربية أن تكون حليفا مع إيران التي تنبذ التفاوض والحوار مع إسرائيل وتنتقد مبادرة السلام العربية.
فسوريا هي أقرب في مواقفها السياسية إلى العرب منها إلى إيران، وبالتالي فإن تحالفها مع إيران هو تحالف هش ولا يصب في مصلحة سوريا لأن الفلسفة الإيرانية قائمة على شعارات أيديولوجية قوامها محو إسرائيل، وهو ما لا يؤمن به النظام السياسي السوري الذي يعتقد بأن السلام مع إسرائيل ممكن إذا ما أعادت إسرائيل ما سلبته من العرب.
لكن لابد أيضا من الدول العربية والولايات المتحدة وإسرائيل أن تعمل من أجل تشجيع سوريا على تبني سياسة جديدة تعيدها إلى الحاضنة العربية. فالدول العربية عليها أن تدرك بأنها لا تستطيع أن تلعب دورا في حل القضية الفلسطينية من دون أن تكون سوريا حاضرة ومشاركة ولا يمكن لأي مؤتمر سلام أن ينجح من دون مشاركة سوريا لأنها هي طرف أساسي في معادلة السلام في منطقة الشرق الأوسط؛ كما أنه على الولايات المتحدة وإسرائيل أن تغيرا من سياستهم المتعنتة في التعامل مع النظام السياسي السوري.
فسوريا منفتحة على إمكانية التفاوض مع إسرائيل لكن المطلوب أن تنفتح إسرائيل بكل جد ورغبة على التعاون مع سوريا في هذا المجال. فإذا قلنا نعم أن سوريا بحاجة إلى سياسة خارجية جديدة، فإننا أيضا نقول بأن على الآخرين أن يقدموا المساعدة لسوريا التي يمكن أن تشجعها على تبني سياسة جديدة وأن لا يكتفون فقط بإلقاء اللوم عليها.
قسم السياسة - جامعة الإمارات
