لو كانت الطغمة العسكرية الحاكمة في بورما نظاماً عميلاً للولايات المتحدة على غرار «جمهوريات الموز» في أميركا الجنوبية لتلقت دعماً أميركياً قوياً في سياق جهودها لقمع الانتفاضة الشعبية المتصاعدة هناك. ففي مثل هذه الحالة يتوقف سريان مفعول مبدأ «حقوق الإنسان».
النظام العسكري الحاكم في بورما يساري الهوية ماركسي الطابع. وعلى هذا النحو فهو نظام اشتراكي ينبذ العقيدة الرأسمالية التي يطلق عليها «اقتصاد السوق». ومن هنا استحق «لعنة» واشنطن.
لا بأس في أن تأخذ دولة بمبدأ المصالح الذاتية كمعيار في تصنيف دول العالم. البأس كل البأس هو أن يتخذ هذا التصنيف شكلاً عدوانياً بحيث تجعل دولة من نفسها وصية على دولة أو دول أخرى. فهذه الوصفة تقود إلى توترات قد تقود بدورها إلى حروب.
في خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة الأسبوع المنصرم أتى الرئيس الأميركي على ذكر عدد من الدول بالاسم على سبيل «تقييم» توجهاتها، فبالإضافة إلى بورما ذكر الرئيس بوش كلاً من سوريا وإيران وكوريا الشمالية وكوبا وفنزويلا وبلاروسيا وزمبابوي. هذه الدول إما إرهابية أو تشكل خطراً على السلم العالمي أو تسيء إلى النظام الديمقراطي أو تتصف بأي وصفات أخرى تجعل منها «دولا مارقة» من المنظور الأميركي.
في مثل هذا التصنيف الجزافي يتحاشى بوش التعرض للأسباب الحقيقية التي تجعل هذه الدول جديرة بالغضب الأميركي.
سوريا مغضوب عليها لأنها الدولة العربية المحيطة جغرافياً بإسرائيل.. ولا تعترف بها على غرار ما فعلت كل من مصر والأردن. لبنان أيضاً يحادد الدولة اليهودية. وهذا سبب إضافي للمزيد من الغضب الأميركي على دمشق حيث أنها تمنع «لبنان من الاعتراف بإسرائيل».
وبالإضافة إلى أن إيران تتخذ من العداء لإسرائيل موقفاً استراتيجياً ثابتاً فإنها «أخطأت» في بندين:
دعمها للمقاومة اللبنانية المسلحة ـ حزب الله ـ ضد إسرائيل من ناحية وسعيها العنيد لامتلاك القوة النووية مما قد يهدد بزوال حالة الاحتكار النووي الإسرائيلي في منطقة الشرق الأوسط.
أما كوبا وفنزويلا وكوريا الشمالية وبلاروسيا فإنها جميعاً تتبنى منهجاً اقتصادياً اشتراكياً تحت سيطرة الدولة مما يمنع الشركات متعددة الجنسية من اختراق الاقتصاد الوطني تمهيداً لنهبه.. خاصة أن كلاً من التجربة الكوبية والفنزويلية تحرزان نجاحاً متصاعداً يمكن أن يشكل نموذجاً يقتدى به في بقية بلدان أميركا اللاتينية. وبالفعل صعدت إلى السلطة مؤخراً زعامات راديكالية في كل من بوليفيا ونيكاراغوا وإكوادور قررت استلهام هذا النموذج.
زمبابوي النموذج من نوع آخر تخشى الولايات المتحدة انتقال «عدواه» إلى دول أخرى في الجنوب الإفريقي. فقد عمد الرئيس الزمبابوي روبرت موجابي إلى تأميم مزارع الأقلية البيضاء في البلاد لتمليكها لغالبية المزارعين السود ـ السكان الأصليون ـ الأمر الذي قد يؤدي إلى تفجير ثورة ضد الأقلية البيضاء في جمهوية جنوب إفريقيا المجاورة.
هكذا تتعدد بؤر التوتر في أنحاء العالم بسبب الوصاية الأميركية غير المشروعة. وهي على كل حال وصاية لا تقوم على مبدأ ثابت من المثل العليا. إنها وصاية عدوانية تنبع من تقييم ذاتي انتقائي وذي توجه عدواني.