الرئيس بوش مدمن على التفرّد. لا يطيق الإجماع. قاعدته الاستنساب وهاجسه الاستثناء، نهج يعتمده ويتمسك به وبإصرار وعناد، وهذا يمكن فهمه في قضايا الحكم والسياسة ـ بالرغم من المصائب التي أدى إليها ـ لكن عندما يتعلق الأمر بقضايا علمية لا تقبل الجدل؛ وبأمور حيوية هي ملك للبشرية جمعاء؛ عندئذٍ يتحول هذا السلوك إلى مشروع كارثة قيد الإعداد، وموقفه من قضايا المناخ المطروحة يندرج في هذه الخانة.
الاحتباس الحراري، في كوكبنا، ارتفع منسوبه إلى حدّ بات يهدد بمضاعفات خطيرة تطاول كل جوانب الحياة على الأرض، الكلام والتقدير هنا للعلماء وفي طليعتهم الأميركيون؛ فضلاً عن الآخرين في الدول الكبرى. وهو لا يدخل في لعبة المناورات السياسية ولا في الحسابات الجيوسياسية أو الاقتصادية.
كلام وصل إلى حدّ التحذير من أن هامش الوقت يضيق بسرعة، وبالتالي لابدّ من التحرك السريع والفعّال لوضع المعالجات الضرورية؛ بصرف النظر عن التكلفة والتضحيات، فلم يعد موضع خلاف أو تشكيك في الأوساط العلمية، بأن الاحتباس ناتج عن إفراط الإنسان في استخدام موارد الطاقة وما ينبعث منها من غازات فعلت فعلها في تسخين حرارة الأرض. الرئيس بوش، من البداية رفض التسليم بهذه الخلاصة.
وعندما فاز بالرئاسة عام 2000 سارع إلى رفض الانضمام إلى اتفاقية كيوتو المناخية؛ التي انطوت على التزام دولي بخفض الانبعاثات الغازية المختلفة، الناتجة عن شتى استخدامات الطاقة، إلى الحدود التي تساهم في لجم التسخين، كذلك رفض اعتماد قوانين تفرض على الصناعات الأميركية إدخال التطوير اللازم لتقليص منسوب ثاني أوكسيد الكربون؛ المتأتي عن احتراقات الطاقة.
وبقي طيلة السنوات السبع الماضية على هذا الموقف الرافض؛ بالرغم من توالي التحذيرات التي أخذت أحياناً شكل عرائض وحملات، على يد تجمعات كبيرة من العلماء الأميركيين، ذريعته كانت دائماً، أن الإنسان غير مسؤول عن الاحتباس وانه بالتالي لا يجوز المجازفة بالازدهار الاقتصادي من أجل معالجة مشكلة طبيعية، وعندما لم يعد بإمكانه تجاهل هذا الموضوع تماماً، دعا الدول الصناعية الكبرى والأكثر نمواً ـ 15 دولة إلى مؤتمر مناخي في واشنطن، أواخر الأسبوع الماضي. كان الاعتقاد أنه ربما في جعبة الإدارة مبادرة ما، في هذا الصدد. لكن مرة أخرى خاب الظن.
الرئيس بوش، الذي ألقى كلمة أمام المؤتمرين، عاد ليكرر مقاربته المعروفة؛ ولو أنه اعترف ضمناً بوجود مشكلة احتباس حراري، المعالجة، كما رأى، تكون استنسابية: كل دولة تتقدم بما تراه صالحاً، في هذا المجال! مع أنه هناك إجماع علمي حول ما هو المطلوب عمله؛ من جانب كل الدول على السواء.
والجديد الآخر ـ إذا جاز التعبير ـ الذي جاء به هو قبول واشنطن المشاركة في مفاوضات(!) برعاية الأمم المتحدة؛ حول موضوع الاحتباس؛ مع دعوته لهذه الدول بأن تقوم برسم خطة تكون جاهزة مع نهاية 2008.
عملياً، لا خطوات عملية ولا استعداد لإدارة بوش للقيام بأي جهد؛ إزاء هذا التحدي الكوني. بالنسبة لها العولمة مطلوبة إلا في قضية المناخ المتعولمة بطبيعتها. مفارقة صارخة.
الأرض محكومة بمناخ عالمي واحد، مطلوب التعامل مع اختلالاته التي تسبب فيها الإنسان ـ وأميركا من أكبر المتسببين ـ بالجملة وإدارة بوش تصرّ على التعامل معها بالمفرّق وإعفاء نفسها إلى حد بعيد من هذا الواجب. إنه التفرد الذي لابد من التراجع عنه.
