بغض النظر عن اية ادانات أو بيانات شجب واستنكار يبدوانها هي ما بقي لتمارسه الدول العربية في مواجهة اوضاع تزداد تأزما وتعقيدا، ليس فقط في الاراضي الفلسطينية المحتلة، ولكن ايضا فيما يتعلق بتطورات القضايا العربية الاخرى، وهي عديدة، فانه من الواضح ان الحكومة الاسرائيلية قررت المضي قدما في تنفيذ قرارها بالتصعيد ضد قطاع غزة المحتل وفي اطار اعلانها - اسرائيل - اعتباره كيانا معاديا لها ايضا.

ومعنى ذلك ان عمليات التصعيد من خلال احكام الحصار على الفلسطينيين داخل القطاع والاستمرار في عمليات الاغلاق، والضغط الاقتصادي، وكذلك القصف والغارات المستمرة وتصفية كوادر المقاومة ستتواصل خلال الفترة القادمة وبشكل اكثر ايلاما.

وبغض النظر عن مواقف الصمود التي تتمسك بها الفصائل الفلسطينية داخل قطاع غزة، الا انه من الواضح ان الاوضاع في كل مدن وقرى ومناطق القطاع تزداد سوءا وتدهورا في كل المجالات مما بات يهدد بالفعل بكوارث صحية واقتصادية واجتماعية، خاصة في ظل ماترتب على استيلاء حركة حماس على قطاع غزة في يونيو الماضي وما ترتب على ذلك من خلافات لم تحل بعد بين حركتي فتح وحماس.

وفي ظل هذه الاوضاع وامام تفاقم المأساة في قطاع غزة المحتل، فانه اصبح من المهم والضروري ان تعمل مختلف الدول العربية ليس فقط من اجل وقف الهجمات الاسرائيلية وغارات الطائرات على القطاع وعلي المدنيين الفلسطينيين، ولكن ايضا السعي الى تخفيف الحصار الاسرائيلي عن سكانه والسماح باعادة فتح المعابر وامداد القطاع بكل احتياجاته من الاغذية والسلع والطاقة وغيرها للحد من تفاقم الاوضاع الاقتصادية والاجتماعية فيه.

ولكن السؤال هو هل تستجيب اسرائيل لذلك وهل ستتمكن الدول العربية من دفع الولايات المتحدة واوروبا الغربية والمجتمع الدولي الى القيام بضغوط على السلطات الاسرائيلية لوقف حصارها وعقابها الجماعي ضد القطاع وابنائه؟ وماذا تطالب به اسرائيل وهذه القوى لتحقيق ذلك؟ من المعروف ان حكومة اولمرت تطالب بوقف قصف المستوطنات الاسرائيلية بالصواريخ الفلسطينية محلية الصنع والتي اصبحت تسبب ازعاجا للإسرائيليين في تلك المستوطنات اكثر من اي وقت مضى، خاصة مع حدوث تحسن نسبي ولو محدود في عمليات توجيهها وزيادة احتمالات اصابتها لمواقع مأهولة او لمنشآت اقتصادية وعسكرية.

واذا كانت هناك اصوات اسرائيلية منها كتاب ومفكرون دعوا الى هدنة بين اسرائيل وحركة حماس في قطاع غزة، فلعل هذه الظروف جميعها تدفع كلا من حركتي فتح وحماس الفلسطينيتين الى الحد من خلافاتهما والى دفع محاولات التقارب بينهما على قاعدة استعادة الوحدة الوطنية الفلسطينية والعودة الى العمل في اطار اتفاق مكة واحترام الشرعية الفلسطينية، الرئاسة والمؤسسات الفلسطينية الشرعية، حتى يمكن تجاوز محنة قطاع غزة وتفويت الفرصة على اسرائيل التي تعمل بكل السبل الممكنة من اجل تعميق الشق الفلسطيني بين فتح وحماس.

واذا كان من الطبيعي ان تتنبه كل من فتح وحماس الى اهمية وضرورة وقف الحملات والاتهامات المتبادلة والتشكيك في وطنية الاخر، وهي ممارسات كان من المأمول ان تترفع عنها الحركتان، فان التطورات التي يتعرض لها قطاع غزة تتطلب العمل بسرعة عربيا ودوليا من اجل لجم الآلة العسكرية الاسرائيلية ووضع اسرائيل امام مسؤولياتها كقوة احتلال حسبما تقضي به اتفاقيات جنيف والقرارات الدولية العديدة منذ عقود طويلة حتى الآن.

اما الكنيس اليهودي الذي اعلنت اسرائيل عن افتتاحه في محيط الجدار الجنوبي للمسجد الاقصى وعلى بعد يقل عن مائة متر من قبة الصخرة، فانه يؤكد استمرار اسرائيل في مخططاتها لتهويد القدس الشرقية والمساس بالمقدسات الاسلامية فيها وهو ما يتطلب وقفة من جانب كل الاطراف المعنية عربية واسلامية ودولية، دولا وشعوبا ومنظمات لوقف عمليات طمس هوية القدس الشرقية التي احتلت عام 1967 وعرقلة جهود احياء عملية السلام عبر مؤتمر واشنطن القادم.