كلام جميل ورائع يتردد على ألسنة العديد من المسؤولين الأميركيين والأوروبيين و«العرب» يدعو إلى إجراء الانتخابات الرئاسية اللبنانية وفق الدستور اللبناني وبإرادة التوافق اللبنانية، والأهم ـ ربما ـ « من دون تدخلات خارجية».

هذا الكلام، من حيث المبدأ، لا غبار عليه ولا يمكن أن يشكل نقطة خلاف بين اثنين على وجه البسيطة، إلا إذا كان كلام حق يراد به باطل. ‏

فالذين يلحون على عدم التدخلات الخارجية في الشأن اللبناني يغمزون من قناة سورية، بل في أحيان كثيرة يسمونها بالاسم ويتهمونها بأنها لا تتدخل في الشؤون اللبنانية فحسب بل هي سبب كوارث المنطقة من العراق إلى فلسطين وصولاً إلى لبنان وليس مستبعداً أن يكون لها دور في كل الويلات التي تعاني منها الشعوب! ‏

أين تلك التدخلات السورية في الشأن اللبناني؟ وما البينة والقرائن التي يستند إليها تجار الدماء عندما يوجهون هذه الاتهامات الخطيرة لدولة ذات سيادة وعضو في هيئة الأمم المتحدة؟ ‏

منذ سنوات دأبت دول عظمى تناصب العرب العداء ـ وليس سورية فحسب ـ على فبركة تهم وإطلاق أكاذيب وتوجيه تهديدات وإنذارات وفرض عقوبات متعددة الألوان والأشكال بحق سورية، دون أن تتمكن الدولة الأقوى في العالم من تقديم ولو دليلاً صغيراً يثبت مزاعمها. ‏

هل حقاً باتت سياسة هذه الدولة أو تلك من دول «العالم الحر» هي فن إتقان الكذب والتضليل؟ ‏

ألم يتعلم صنّاع القرار الأميركي والأفاقون من تجربة «أسلحة الدمار الشامل العراقية» غير الموجودة والتي كبدت الشعب العراقي مليوناً من الشهداء وملايين من الجرحى والمعوقين والهاربين من جحيم الحرب الدموية التي تعصف بالعراق وأهله؟ ‏

ثم ، ألم يملّ أبطال الكذب الأميركيون والمحليون من تكرار الأسطوانة المشروخة نفسها منذ ما يقرب من ثلاث سنوات عن دور سوري في عمليات الاغتيال الجبانة التي عاشها لبنان طوال تلك السنوات؟ ‏

لماذا لم تخرج كلمة واحدة تتهم إسرائيل ـ ولو من باب رفع العتب ـ بالجرائم والتفجيرات التي شهدها لبنان، مع العلم بأن هناك شبكات تجسس إسرائيلية تعمل بنشاط في لبنان منها ما تم ضبطه، ومنها ما يزال مجهولاً؟ ‏

هل نبرئ إسرائيل صاحبة المصلحة في تفجير الأوضاع في لبنان وصولاً إلى المشروع الصهيوني المعروف الذي يهدف لتقسيم لبنان إلى كيانات طائفية هزيلة؟ ‏

هذا المشروع يعرفه أي متابع أو مواطن في منطقتنا والعالم، وهو منشور في 14/2/1982 في مجلة «كيفونيم» الناطقة بلسان المنظمة الصهيونية العالمية. ‏

لماذا يتبرع هؤلاء المرتهنون للخارج بتبرئة إسرائيل واتهام سورية؟ وكيف لا يخجلون من أنفسهم ومن شعبهم عندما يلصقون تهمة اغتيال هذا النائب أو ذاك في اللحظة الأولى لعملية الاغتيال وقبل أن ينقل الجثمان من موقع الجريمة؟ ‏

هل نفترض حسن النية في مثل هذه الحالات؟ أم إن هذه الاتهامات المعدة قبل كل جريمة تثير الشكوك والشبهات حول هذا الفريق الذي يستقوي بالأجنبي ويستدعيه لمناصرته وللتدخل في الشؤون الداخلية اللبنانية سياسياً، ودبلوماسياً وعبر مجلس الأمن الدولي وصولاً إلى الوجود العسكري المباشر؟! ‏

في الأصول والأعراف القضائية العديد من القواعد، في مقدمتها : « إن المتهم بريء حتى تثبت إدانته» وعند وقوع كل جريمة يجب البحث عن المستفيد منها أولاً. ‏

أما في الحالة اللبنانية فقد اخترعوا قواعد جديدة، فالبريء متهم حتى لو ثبتت براءته وسورية هي المتهم المفضل والوحيد لهذه الجوقة على الرغم من أنها المتضرر الوحيد من كل الجرائم التي ارتكبت حتى الآن. ‏

ونسأل... من يتدخل في شؤون لبنان الداخلية وفي انتخابات رئيس الجمهورية ويحاول تفسير الدستور اللبناني على هواه؟ هل جيفري فيلتمان سفير سورية في بيروت أم سفير إدارة بوش؟ وهل تيري رود لارسن الذي أحرج الأمين العام للأمم المتحدة بتدخلاته السافرة في نصوص الدستور اللبناني، هل لارسن هذا يحمل الجنسية السورية؟ ‏

وهناك.. أسئلة كثيرة مشروعة تكشف النقاب عن الدور الأميركي القذر في لبنان والمنطقة، وتكشف أولئك الذين يتاجرون بدم الشهداء والمرتهنين للخارج.. ولن يطول الأمر حتى تنفضح أكاذيبهم وأباطيلهم.. ونحن بالانتظار. ‏