تحدثنا في مقال الأمس عن بعض المسلسلات الخليجية التي تشوه واقع المجتمع الخليجي وتبالغ في وصف بعض مشكلاته وتغييب مشكلاته الأخرى الأكثر أهمية.

وقلنا إن المؤلم فيما نشاهده على القنوات الفضائية الميزانيات الضخمة التي تصرف على إنتاج هذه المسلسلات التي كتبها ومثل فيها وأنتج لها وروج لها خليجيون فرضوا علينا نوعاً هابطاً من مسلسلات تقتحم منازلنا وأفكار أبنائنا وشبابنا والكبار فينا بلا استثناء.

لدرجة يظن فيها المشاهد الذي لا يعرف الكثير عن منطقة الخليج أن واقعنا هو الأسوأ بين المجتمعات العربية، وهو الأمر الذي نعتبره بعيداً كل البعد عن الصحة، إذ إن الفرق بيننا وبينهم كبير لكنهم يستترون ونحن نجاهر ونبالغ.

وعلى الرغم من مستوى مضمون هذه المسلسلات الذي لا يرقى إلى طموحاتنا، نفاجأ بالشركات الكبرى وهي تقدم رعايتها لهذه المسلسلات دون أن تكترث لأية قيم أو ثوابت مجتمعية، فما يهمها في البداية والنهاية هو الترويج لسلعها ومنتجاتها، دون أن تدرك مخاطر مساهمتها في دعم مواد إعلامية تغزو منازلنا وأسرنا والأجيال الجديدة التي باتت تتطبع بما تدعو إليه تلك المسلسلات وما تصوره من انفلات أخلاقي وقيمي.

كنا نعتقد أن احد الرعاة عندما يقوم برعاية مسلسل ما، فإنه يحرص على معرفة مستوى مضمونه والأهداف التي يسعى لتحقيقها من وراء القصة التي يحكي أحداثها لكن وكما يبدو لنا، الرعاة بعيدون عن هذا كله، ولا يقومون بشيء غير تحرير شيكات إلى تلك الفضائيات، ومعرفة تفاصيل عرض الإعلان وأوقاته وعدد مرات عرضه خلال اليوم، أما التفكير في المال الذي يدفعه إن كان يبني مجتمعاً أو يهدمه، يعكس واقعاً أو يشوهه فذلك يبدو انه خارج حساباتهم.

مازلنا نذكر فصول حملة المقاطعة للمنتجات الدنماركية بعد الرسوم الكاريكاتيرية المسيئة للرسول صلى الله عليه وسلم، وما زلنا نذكر كيف تراجعت مبيعات تلك الشركات بسبب مقاطعتنا لها، فلماذا لا نتبنى اليوم موقفاً مشابهاً لمقاطعة الرعاة التجاريين الذين يقدمون دعمهم ومساندتهم لمسلسلات وبرامج لا تبث إلا سمومها وكل غث وسمين؟

أليست هذه المسلسلات سبباً في تشويه سمعتنا كخليجيين والإساءة إلينا كأفراد وإلى واقعنا، أليست هذه المسلسلات من النوع الهابط الذي يهدم ويقتل القيم التي تربينا ونشأنا عليها؟ أليست تؤثر سلباً في أبنائنا دون أن نملك فعل شيء حيالها لصدها ووضع حد لتجاوزاتها؟ هل نستسلم لها بدل مواجهتها ومقاطعتها حتى تعود إلى صوابها.

قد يعتقد بعضهم أننا نبالغ في دعوتنا لكننا نرى أن دعوتنا لمقاطعة هذه المسلسلات والشركات ما هي إلا دعوة ننتصر فيها لقيمنا وعاداتنا وتقاليدنا وللأجيال التي أصبحت مستهدفة من هذه المسلسلات وغيرها، ونرجو أن يكون لهذه المقاطعة أثرها في وقف دعم ورعاية مثل هذه البرامج، وبالتالي تحسن وتجود مضمونها الذي ستحرص عليه الشركات المنتجة، وكتاب هذه المسلسلات ومن يقوم بالتمثيل فيها.

تكفينا السلبية التي تجعلنا نستقبل كل شيء دون نظام مرشح يميز بين الخبيث والطيب، وكفانا استسهال أمور كهذه ندرك تماما أن الاعتياد عليها هو اعتياد على كل ما ينسف ثوابت مجتمعاتنا ومرتكزاتها. فهل من مجيب لدعوتنا؟ هذا ما نأمله وما نتمناه.

maysaghadeer@yahoo.com