ألقت حادثة قتل 11 مدنيا عراقيا من قبل حراس أمنيين يعملون لصالح شركة بلاك ووتر الضوء على واحدة من اخطر فصول الأمن والاضطراب في العراق ألا وهي الشركات الأمنية التي تسمى بشركات المقاولات الأمنية.

في الواقع أن الاسم الصريح لهذه الشركات هي شركات توريد المرتزقة.....والمرتزقة هم عبارة عن جنود أو مسلحين غير رسميين يعملون لصالح شركات خاصة ويقاتلون ويقتلون خدمة لمصالح هذه الشركات.

الولايات المتحدة هي أهم دول العالم استخداما للمرتزقة بفعل عوامل كثيرة من أبرزها وجود كم كبير من الجنود والعسكريين المسرحين عن الجيش الأميركي والذين أصبحت لديهم خبرة في القتل والقيام بالعمليات العسكرية

مما حدا بالحكومة الأميركية الترخيص لهم بامتهان الأعمال العسكرية والأمنية ولكن عبر شركات خاصة معظمها ممولة من قبل البنتاغون بالظاهر أو بالباطن عبر مقاولين معتمدين. أهم ساحات أعمال تلك الشركات كانت جمهوريات أميركا الجنوبية والوسطى السلفادور ونيكاراغوا وهندوراس كولومبيا وغيرها من دول الاضطراب ونشاط رجال عصابات المخدرات.

وقد تم استخدام المرتزقة بشكل واضح في حرب فيتنام حيث احتاجت الولايات المتحدة إلى رجال تكون حركتهم أشبه برجال العصابات يقاتلون دون أن تحسب جرائمهم على حساب الحكومة الأميركية و يقتلون دون أن تحسب خسائرهم ضمن خسائر الجيش الأميركي.

شركة بلاك ووتر هي واحدة من 28 شركة تسمى بشركات المقاولات الأمنية أسسها ضابط سابق في الجيش الأميركي تتلقى تدريباتها في ولاية كارولينا الشمالية ،تم استقدامها إلى العراق بعد عام 2003

وهي تعمل بموجب قانون أعلنته سلطة التحالف في عهد بول بريمر وهذا القانون يمنح هذه الشركات الحصانة من الملاحقات القانونية ويكون الغرض منها حماية المسؤولين الحكوميين الأجانب والعراقيين وحماية الشركات الأجنبية والمنشآت المهمة.

بمعنى آخر هذه الشركات لديها تصريح بالقتل الفوري ودون أي مساءلة قانونية وهذا التصريح المفتوح بالقتل يلقي بظلال كثيفة على واقع التصرفات الإجرامية المبطنة التي تقوم بها وزارة الدفاع الأميركية.

هذه الشركات في الواقع لا تمارس أعمال الحماية فحسب بل يوكل إليها أعمال الاغتيالات والتصفيات الجسدية وعمليات الكوماندوز التي تنفذ على بعض العشائر العراقية وخاصة في المناطق الساخنة كالرمادي والفلوجة.

كما وان نشاطها يمتد إلى مستوى آخر أكثر خطورة ألا وهو تجارة المخدرات والسلاح التي أضحى العراق أفضل الساحات الممكنة لممارسة هذا النوع من النشاط.شركة بلاك ووتر بالذات اختصت بعملية تهريب السلاح إلى العراق وتزويد العشائر ورجال العصابات ذوي العلاقة الوطيدة بالقوات الأميركية بمختلف أنواع الأسلحة والمعدات والسيارات

حيث إن الحكومة الأميركية فتحت تحقيقا لمعرفة ما إذا كان موظفون في شركة «بلاك ووتر» الأمنية الأميركية الخاصة المتورطة في مقتل عشرة أشخاص في العراق قد أدخلت أسلحة إلى هذا البلد بشكل غير شرعي.

وأكدت صحيفة «واشنطن بوست» أن تلك الأسلحة قد تكون بيعت في السوق السوداء في العراق وانتهت بين أيدي منظمات تعتبرها الولايات المتحدة إرهابية. وأضافت المصادر أن التحقيق الذي يقوده مكتب المدعي العام في كارولينا الشمالية.

حيث مقر بلاك ووتر فيه ما يكفي من القرائن لتوجيه التهم.ونشرت صحيفة «نيوز اند ابزرفر» الصادرة في كارولينا الشمالية أن اثنين من الموظفين السابقين في بلاك ووتر أقرا بتورطهما ويتعاونان مع السلطات الفيدرالية في تحقيقها.

وقالت الصحيفة إن المحققين يبحثون فيما إذا كانت بلاك ووتر التي تسهر على امن موظفي السفارة الأميركية في بغداد تجلب أسلحة ومعدات عسكرية إلى العراق بدون ترخيص.كما أنهم يحاولون أيضا تحديد ما إذا كانت بلاك ووتر تملك الترخيص الضروري لاستخدام عشرات الأسلحة الرشاشة في معسكرات تدريبها في مويوك كارولينا الشمالية.

واعتبرت شركة بلاك ووتر أن «لا أساس» لهذه الاتهامات. وفي بيان أصدرته ودعت بلاك ووتر الوكالة الفدرالية المسؤولة عن الأسلحة النارية والمتفجرات إلى «إجراء تحقيق معمق».

وأوضحت أنها صرفت على الفور اثنين من الموظفين الذين يلاحقهم القضاء الأميركي عندما اكتشف المحققون انهم «كانوا يسرقون الشركة». وأضاف البيان أن «الادعاءات التي تفيد أن بلاك ووتر مشتركة بطريقة ما أو متواطئة في أنشطة حول أسلحة غير شرعية لا أساس لها».

وقال إن «الشركة ليست على علم بأن احد موظفيها يصدر أسلحة بطريقة غير ملائمة». هذا اللغط الذي أثاره حادث شركة بلاك ووتر والذي أماط اللثام عن حقيقة ودور شركات الأمن في العراق فاذا كانت بلاك ووتر متهمة بتهريب السلاح فان الشركات الأخرى لديها نشاط آخر مفاده عمليات تأمين ونقل شحنات المخدرات خاصة بعد أن تحول العراق في الأربع سنوات الأخيرة إلى المركز الإقليمي لزراعة وتجارة المخدرات.

عموما قتل المدنيين العراقيين لم يكن الحادث الأول أو الأخير لهذه الشركات ولكنه ألقى الضوء على نشاط ونفوذ مقاولي الأمن أو موردي المرتزقة إلى العراق حيث شلت الحكومة العراقية من القدرة على القيام بأي إجراء رادع لهذه الشركات

حيث أعلنت الحكومة العراقية في بيان أن «مستقبل شركة بلاك ووتر مرهون بنتائج التحقيق الذي ستسفر عنه اللجنة العراقية الأميركية المشتركة في حادث ساحة النسور» غرب بغداد. وأوضح البيان أن الحكومة ستتخذ الإجراءات القانونية اللازمة بحق شركة بلاك ووتر على ضوء نتائج التحقيق الذي ما زال جاريا.

من جانبها، أعلنت المتحدثة باسم السفارة الأميركية في بغداد عن عدم تلقي سفارتها أي طلب رسمي من الحكومة العراقية بتغيير شركة بلاك ووتر. وبالمقابل عبرت الحكومة الأميركية من خلال موقفها وتصريحاتها الهزيلة عن واقع مفاده أن ممارسات مقاولي الأمن في العراق تحظى بالقبول والرضا والتغطية من قبل الحكومة الأميركية وان متطلبات الأمن الأميركي صارت أغلى بكثير من دماء العراقيين.

وفي كل الأحوال فان قتل العراقيين والتلاعب بمواردهم وأمنهم أصبح واحدا من أهم التجارات الرابحة التي تمارس في العراق ففي هذه التجارة كل شيء مربح وثمين ما دام يصب في دوامة العنف والفوضى في العراق. أما الإنسان العراقي صاحب اعرق الحضارات وصل به التداعي والانهيار إلى درجة صار حكامه لا يطيقون إلا أن يسقوا العراقيين من بلاك ووتر..!

كاتبة عراقية