لن يشكل انتخاب رئيس جديد للبنان حلاً للأزمة المستحكمة فيه، لكنه بلا شك يحول دون تطور الأوضاع إلى حالة يصعب السيطرة عليها، كما أن الاتفاق على رئيس توافقي بحسب ما يحلو للبنانيين تسميته، لن يقلص من الخلافات المحتدمة بين السياسيين اللبنانيين.
لكنه قد يمنع التشظي السياسي غير المحسوب النتائج. وفي المقابل لم يعد ممكناً انتظار ما ستؤول إليه تطورات الأوضاع الإقليمية والدولية بعد أن بات الاستحقاق الرئاسي في لبنان على الأبواب في حين أزمات المنطقة قد يطول حلها إلى أجل غير معروف.
وهناك من يعتقد أن اللبنانيين بمستطاعهم تخفيف تداعيات العواصف الإقليمية القادمة إذا تمكنوا من اختيار رئيس جمهورية توافقي، علما أن البلاد حُمّلت على مدى السنوات الأخيرة قرارات دولية تفوق قدرتها وقدرة
أي رئيس جديد على الحكم بدءا بمعالجة سلاح حزب الله مرورا بمتابعة تشكيل المحكمة الدولية مرورا بتنظيم العلاقات مع سوريا، يضاف إليها مشاكل من طابع آخر تخص المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية المحلية.
ولأول مرة منذ عام 1976 تجري الانتخابات الرئاسية دون وجود خارجي مباشر، لكن هذا لا يحول دون تبين مدى سطوة الحضور غير اللبناني في هذه الانتخابات على غرار التي سبقتها، حتى أن الولايات المتحدة تبدو متورطة بشكل لم يسبق له مثيل في تفاصيل السياسة اللبنانية
ويخال المرء أن بوش لم يذكر على لسانه بلدا بقدر ما ذكر لبنان ولم يتغنى بالديمقراطية بقدر ما تغنى بثورة الأرز ولم يقدم دعما كالدعم الذي تلقاه رئيس الحكومة فؤاد السنيورة، لقد حولت الولايات المتحدة لبنان إلى ساحة رئيسية من ساحات المواجهة الإقليمية مع إيران مرورا بسوريا وسوف تبقيه كذلك وحتى لو كان ذلك في ظل الموافقة على انتخابات رئاسية توافقية في المرحلة الراهنة إلى حين جلاء الأوضاع في العراق.
لذا كانت جلسة الاستحقاق الرئاسي في لبنان يوم الاثنين الماضي. اكتمل حضور نواب الأكثرية النيابية بلغ عددهم النصف + 5، لكن الجلسة أرجئت إلى 23 أكتوبر القادم لعدم اكتمال الثلثين، على الرغم من أن العد العكسي لانتخاب رئيس جديد للبنان حان وهو الأمر الذي كانت تصبو إليه المعارضة منذ أول يوم تحركاتها.
وعلى الرغم من التصريحات التي أطلقها بعد نواب 14 آذار بخصوص النصاب، إلا أن مبادرة ريس مجلس النواب نبيه بري على ما يبدو باتت تشكل الآلية الوحيدة لإمرار الاستحقاق أي باعتماد نصاب الثلثين. كان حجم التباين في المواقف داخل صفوف 14 آذار،
سواء بالنسبة للموقف من النصاب الدستوري أو البدء بالترشيحات، مانعا دون قدرة هذه المعارضة على الاعتراض على مبادرة بري التي أطلقت بتنسيق مع حزب الله ومن ورائه إيران وسوريا، وحظيت بقبول السعودية والاتحاد الأوروبي والفاتيكان،
وكان صمت الإدارة الأميركية كافيا للمضي بها، وجاء الحديث عن التوافق في حديث سعد الحريري بعد لقائه مع بري والتعهد بإجراء انتخابات الرئاسة ضمن المهلة المحددة ليؤكد هذا المنحى، وحدهم جنبلاط وجعجع ونوابهم في الجلسة بدوا متململين إدراكا منهم أن تسوية في طريقها إلى الاستحقاق الرئاسي القادم.
ويرى البعض ان التوافق على الرئيس القادم لن يكون سهلا لأن المرحلة القادمة ستكون مفصلية وستعيد إحياء موضوع هوية لبنان وارتباطاته بالخارج، بل هناك من يصفها بـ «مرحلة تأسيسية» تتطلب مفهوما موحدا للسيادة الوطنية خصوصا وان لبنان جزء لا يتجزأ من منطقة متفجرة يناله منها تأثيرات مباشرة من كل من العراق وفلسطين وإيران.
والحال إن فكرة الحياد تعيد طرح نفسها بين الفينة والأخرى وكان هناك من نادى بها فترة الحرب الأهلية في لبنان التي اندلعت للقضاء على المقاومة الفلسطينية، والمثير هو أن بعض أطرافها انتقل إلى الموقع المقابل،
بينما الواقع أن هناك صراعا بين مشروعين سياسيين، أحدهما يرى أنه يمكن تحييد لبنان عن الصراعات الدائرة ويرى إلى ذلك سبيلا وأن باستطاعة لبنان العيش بسلام وتحقيق تنميته الاقتصادية، في حين هناك من يرى صعوبة في فكرة الوقوف على الحياد في ظل وجود صراعين جبارين في كل من فلسطين والعراق.
فهل يمكن تحييد لبنان عن الصراع الدائر في المنطقة، وهل هناك فعلا حيادا أو مجالا للحياد في مواجهة إسرائيل وتهديدها المستمر لأمن لبنان وضرب مقومات اقتصاده باستباحة مطلقة وبعنصرية مخيفة؟