ذات يوم، قبل عدة سنوات، كنت برفقة وفد برلماني عربي جاء إلى فرنسا بمهمة الاطلاع على القوانين الفرنسية في أفق الاستئناس بها في صياغة دستور بلادهم الجديد.

رتّب لنا احد الأصدقاء لقاء بـ روبير باندنتر، وزير العدل الفرنسي الأسبق، وربما أحد أهم رجال القانون الفرنسيين المعاصرين، ثم إنه الوزير الذي كان وراء إلغاء عقوبة الموت في فرنسا عند بداية عهد الرئيس الراحل فرانسوا ميتران في مطلع عقد الثمانينات الماضي.

أثناء الحديث وفيما هو أبعد من الاهتمام القانوني - الذي أجهله أصلا إلى حد الأميّة- وجهت للوزير الفرنسي الأسبق باندنتر السؤال التالي، «القانوني» شكلا وذو الخلفية السياسية الواضحة: هل نظام الحكم في فرنسا هو في صميمه رئاسي أم برلماني؟

كانت إجابته لي مع ابتسامة «بريئة» للإشارة أنه فهم قصدي تماما هي التالية: هل تعرف الوطواط؟ إنه عندما يقابل الطيور يقول لهم: انظروا إلى جناحي فأنا طير مثلكم، لكن عندما يقابل أصحاب الحوافر من الحيوانات فيقول لها: انظروا إلى حافري، أنا من صنفكم.

هذه الحكاية تعود إلى ذهني هذه الأيام مع النقاش الدائر في فرنسا حول شخصية نيكولا ساركوزي، الرئيس الفرنسي الجديد وطريقته في الحكم. لقد جرى توصيفه في العديد من المقالات أنه «إمبراطور» وقارنه العديد من الصحافيين والكتّاب بـ «نابليون الثالث» أي «لويس نابليون»

باني الإمبراطورية الفرنسية الثانية ما بين عام 1852 و1870، والذي كان قد بدأ مسيرته في الحكم رئيساً للجمهورية بالاقتراع العام المباشر ثم حوّل الجمهورية بـ «انقلاب عسكري» إلى إمبراطورية.

لكن بالمقابل معروف عن نابليون الثالث أنه رجل التقدّم الاجتماعي والازدهار الاقتصادي والإشعاع الفرنسي في العالم وباني النموذج «البونابرتي» القائم على مفهومي الإنتاج والعمل. الإنتاج والعمل يشكلان دعامتين أساسيتين في برنامج الرئيس نيكولا ساركوزي للحكم.

وتعني البونابرتية باختصار شديد التأكيد على تعزيز سلطة فرد تُنسج حوله هالة «المنقذ» الذي يخلص البلاد والعباد من كل المشاكل التي تثقل كاهلهم. وبالتالي يصبح هو «محور» كل شيء ويحتل الساحات كلها، الكبيرة منها والصغيرة.

أما الآخرون فيدورون في فلكه، إنه «الفاعل» والباقي شهود. ومثل هذا التوصيف ينطبق كثيرا على الرئيس نيكولا ساركوزي ذي الحضور الكامل في شتى الميادين والنشاطات، فنشرات الأخبار المتلفزة تبدأ وتنتهي به أو عنه في كثير من الأحيان.

هذا إلى درجة اقتراح بعض الصحافيين الفرنسيين «الظرفاء» تكريس «يوم وطني تلفزيوني» بدون ساركوزي. ولعلّه من الصحيح القول إنه قلّما عرفت فرنسا مثل هذا الإجماع و«الالتفاف الإعلامي» حول شخصية القائد منذ زمن نابليون الثالث. ومن الصحيح أيضا القول إن بعض الصحافة الفرنسية اليوم تذكرنا أحيانا بصحافة الدعاية والتمجيد في البلدان المتخلفة.

الملفت للانتباه أيضا هو أن فترة نابليون الثالث كانت قد شهدت تضعضع مواقع اليسار آنذاك وتشرذمه وتفسّخه وانضمام العديد من قياداته إلى معسكر نابليون. وكإشارة سريعة كان الشاعر الفرنسي الكبير فكتور هوغو من المتحمسين في البداية لنابليون الثالث قبل أن ينقلب ضده ويصبح أحد ألدّ خصومه فيما بعد إذ كرّس له كتاباً شهيراً تحت عنوان «نابليون الصغير».

وهذا ما ردّ عليه «فيليب سيغان» الرئيس الأسبق للجمعية الوطنية الفرنسية وأحد رموز الديغولية وصديق الرئيس نيكولاي ساركوزي بكتاب حمل عنوان «نابليون العظيم». إذا كان نابليون هو «المرجعية» التي يتحدث عنها الكثيرون في فرنسا اليوم بصدد نيكولا ساركوزي،

فإنه لابد من القول أيضا إن دستور الجمهورية الفرنسية الخامسة التي أسسها الجنرال شارل ديغول عام 1958 يعطي سلطات كبيرة لرئيس الجمهورية. وكان الجنرال قد طلب صياغة هذا الدستور «على قياسه» بل اشترط ذلك كي يقبل المنصب الرئاسي في سياق حالة الاضطراب الكبرى التي كانت تعيشها فرنسا في مواجهة ثورة التحرير الجزائرية التي انطلقت عام 1954.

رئيس الجمهورية في فرنسا يركز إذن بيده سلطات كبيرة شريطة أن يتمتع بأغلبية في الجمعية الوطنية الفرنسية. ونيكولا ساركوزي يتمتع بأغلبية تكفي و«تفيض» عما هو مطلوب في الجمعية الحالية.

وفي مثل هذه الحالات يمكن للنظام «البرلماني» نصا أن يصبح «رئاسيا» على صعيد الواقع والتطبيق. ولم يكن هناك من يستطيع أن يسائل الجنرال ديغول حول ما يتخذه من قرارات. بكل الأحوال لا شك أن الأمور بعيدة في فرنسا اليوم عن زمن روبسبيير صاحب الجملة الشهيرة: نحن هنا ـ تحت قبة البرلمان- بإرادة الشعب ولن نخرج إلا على أسنّة الحراب.

لكن ومهما قيل عن تمركز السلطات بيد الرئيس في فرنسا اليوم وصولا إلى توجيه بعض نواب اليسار اتهام الجنوح نحو الدكتاتورية للحكم القائم. فإن شعورا عاما يختمر بالمقابل لدى شرائح واسعة مفاده أن تغييرا ما يحدث.

ويستيقظ الحنين إلى أمجاد الحقب الكبرى في تاريخ فرنسا. ذلك أن مثل هذا النموذج، أي الرئيس ساركوزي، يحرّكون التاريخ ،كما يقول عنه الكثيرون حتى من بين خصومه السياسيين.

هنا لابد من وقفة، فمن يقرأ ما سبق قد يتساءل عن فائدة هذا الحديث عن فرنسا وشكل نظام حكمها وسلوكيات ساستها. عليّ إذن أن أعترف أنني وأنا أكتب عن فرنسا، الدولة الأوروبية الكبيرة وذات الصوت القوي في قضايا العالم بما فيها،

بل ربما على رأسها قضايا عالمنا العربي-الإسلامي، إنما كنت أفكر بالواقع المناقض. واقع القهر وكبت الحريات وأحادية النمط والرؤية والسلوك السائدة لدى السواد الأعظم من أنظمة الحكم في أرجاء ما يسمّونه بهذا «الوطن العربي» الكبير.

الفرق كبير بين واقع يقال فيه كل شيء وصولا إلى وصف الرئيس نفسه أنه يلتهم الآخرين للتدليل على حضوره المهيمن ـ إنما دون أدنى مساس بشرعيته ـ كما جاء في عنوان مجلة فرنسية كبرى قبل أيام وبين واقع آخر لا يقال فيه أي شيء سوى ما يراد. أما من يخالف فمصيره الاستبعاد أو السجن أو ربّما أكثر.

وما همّ بعد ذلك إذا كان النظام برلمانيا أو رئاسيا أو جمهوريا أو ملكيا. المهم احترام الإنسان واحترام آرائه «ولو كانت خاطئة».

كاتب سوري