قالوا: «.الله جميل يحب الجمال». وهذا صحيح، غير أن الجمال الإلهي هو الجمال المطلق والجلال الأعظم، أو هو كمال وجلال الجمال أو جمال وجلال الكمال. وإذ تمثل قيم «الحق» و«الخير» و«الجمال» غاية الفكر والعمل والإبداع الإنساني، فإن قواعد «التوازن «و«الإنسجام» هي التي تشكل الأساس لقيام الحق والخير والجمال.

نعرف ألا وجود للحق المطلق في هذا الكون سوى الله جل وعلا، لأن الحق اسم من أسمائه، ومن هذا النبع السامي وجدت كل الحقوق ، ومن بينها حقوق الإنسان ، ولكن في المقابل نبعت واجبات الإنسان التي قد ينساها الإنسان، لأننا نعرف منظمات لحقوق الإنسان لكننا نادرا ما نسمع عن منظمات لواجبات الإنسان، ولو أدى كل إنسان واجبه بحق، لما بقي لإنسان حق ضائع يطالب به!

ونعرف أيضا أن ألا وجود للحقيقة المطلقة إلا عند الله، لأن الله هو الحقيقة العظمى، وإذ تمثل الحقيقة غاية الفلسفة والإعلام والعلوم الإنسانية، فما هي إلا اشتقاق من الحق ، وبينما يقف الباطل في مواجهة الحق، يقف الكذب في مقابل الحقيقة، وما الصراع الإنساني على امتداد العالم كله إلا صراع بين الحق والباطل وبين الحقيقة والكذب.

لكن الحق هو الذي ينتصر في النهاية، والحقيقة هي التي تعلو في النهاية لأن الله الحق وعد من ينتصرون للحق في مواجهة الباطل بالنصر، وبشر بإظهار الحقيقة وكشف الزيف للذين آلوا على أنفسهم البحث عنها بصدق والانتصار لها بجد.

وحينما يضيع الحق بين الناس، بعدوان القوة وطغيان الثروة من جانب الدول الكبرى الأقوى على الدول الصغرى الأضعف ، وبازدياد معدلات الفقر في نصف الكرة الجنوبي ومعدلات الثروة في نصفها الشمالي،

وحيث يزداد الأقوياء بشن الحروب لنهب المزيد من الثروات وكسر إرادات الشعوب حماقة وجنونا! وحين تضيع الحقيقة وينقلب الحق إلى باطل، يصبح العقل جنوناً والصدق حماقة، والخير سذاجة، والقبح جمالاً!

إن رسالات السماء كلها هي أبلغ دعوة للحق، وأعظم دعوة للخير، وأرقى دعوة للجمال، فهي دعوة إلهية للإنسان لأن يصنع الخير لنفسه ولغيره، ويدرأ الشر عن نفسه وعن غيره أيضا.

وإذا كان الخير عطاء لا أنانية، وإيثار لا استئثار، ومحبة لا كراهية، وعدالة لا مظالم، وعمار لا دمار، ونماء لا إفقار، ومشاركة إنسانية وسياسية في الثروة وفي القرار.. فإنه في النهاية يعنى عدم ظلم الإنسان لأخيه الإنسان وحب الإنسان لأخيه الإنسان، ومشاركة الإنسان لأخيه الإنسان ماديا ومعنويا، وفي الضراء قبل السراء.

وإذا كان الجمال كمال في الجوهر وبهاء في المنظر، فلا يوجد شكل جميل بلا مضمون جميل ، ولأن الجمال توازن وانسجام فلا جمال بلا توازن ، ولا جمال بلا انسجام.. فاللوحة التشكيلية الجميلة مثلا لا تخلو من توازن بين الكتلة والكتلة أو بين الكتلة والفراغ، أو بين الفراغ والفراغ.. كما لا تخلو بكتلها وفراغها من التوازن بين اللون الساخن والساخن، والبارد والبارد والساخن والبارد.

«السيتميريا» أي التوازن ضرورة فنية وإنسانية ، ولكن كي يكتمل جمال العمل الفني فلا يكفي التوازن بل لا بد من الانسجام بين الأشكال وبين الألوان. هذا التوازن تسمعه في «السوناتا» الموسيقية بتتابع إيقاعات «البوينت» و«الكونترابوينت» أي النقطة الصوتية، وعكسها أو ترديداتها فلا بد لكل صوت أو نغمة، من صوت أو نغمة أو حتى عدة نغمات منوعة ترد عليها.. ولكن بانسجام حتى يكون اللحن جميلاً.

بينما الانسجام هو ما يطلقون في الموسيقى «الهارموني» الذي يقوم على قاعدة «الائتلاف الموسيقي», وهو الذي يصنع منه المؤلف الموسيقي أحلى «السيمفونيات» طبقاً للنوتة الواحدة، فالقاعدة الذهبية في الموسيقى تقول «لا ائتلاف بغير إخلاف».

لعل السياسيين والمثقفين والعلماء والمفكرين يستلهمون بضميرهم الإنساني من الدين مبادئ الحق والعدل، ومن الفن قواعد التوازن والانسجام حتى تشرق على الدنيا شموس الحق والخير والجمال.

mamdoh77@hotmail.com