كل ما في سجل الاحتلال وكل ما جرى منذ إسقاط النظام السابق يقود في النهاية الى نتيجة أساسية شاخصة بقوة «التعايش بين العراقيين أصبح مستحيلا». فالدولة الجديدة التي كان يراد بناؤها على أنقاض الدولة التي أسقطها الاحتلال بنيت على نظام المحاصصة الطائفية.

وبدلا من الحديث عن مواطنين عراقيين، تأسس الحديث والخطاب منذ البداية على طوائف لديها سجل من المظالم. ان خطوة مثل حل الجيش العراقي واجتثاث البعث وحل جهاز الدولة بأكمله وتطهيره من الموظفين والإداريين في عهد النظام السابق، اعتبرت أخطاء لم تكن بالحسبان،

لكن هذا التفسير يصور الأمر كما لو ان الأميركيين جاؤوا بنوايا طيبة واخطأوا بسبب حسن النية فقط لا غير. انه تفسير يقترح ان الأميركيين جاؤوا بدون خطة محددة او برنامج مستقبلي لبلد يعتزمون إسقاط النظام فيه وبناء دولة جديدة مغايرة ضمن رؤية كثر الضجيج حولها لبناء شرق أوسط جديد، فهل هذا صحيح؟

هل يصح الاعتقاد ان الأميركيين جاؤوا بدون خطة من اي نوع؟ او انهم جاؤوا بحزمة من التدابير السريعة العاجلة لترتيب الأوضاع بعد إسقاط النظام ومن ثم يتركون للعراقيين ان يقرروا الخطوات اللاحقة لمشروع بناء الدولة الجديدة؟

ما الذي دفع العراقيين الى ان يجدوا أنفسهم بعد أربع سنوات من الاحتلال أمام نتيجة واحدة فقط: استحالة التعايش فيما بينهم؟ انه العنف الطائفي حتما الذي انفجر بعد قليل من إسقاط النظام السابق وتلازم مع كامل العملية السياسية وأصبح مصدر تأثير هائل على الخطط والبرامج السياسية، بل امتد تأثيره ليشمل حتى التدابير البسيطة للحياة اليومية حتى في القرى النائية في اي محافظة عراقية.

لقد أصبح العنف الحقيقة الملازمة لكل شيء في العراق واصل كل المناقشات والرؤى والبرامج والتحالفات والعلاقات لا بين الأحزاب والقوى السياسية فحسب بل تم ترسيخه بدأب ومثابرة لا تلين بين العراقيين أنفسهم وبات حقيقة ملازمة للحياة اليومية بكل تفاصيلها. فهل جاء العنف نتيجة عارضة او احد أعراض جانبية للاحتلال لم تكن في الحسبان؟

هنا تلقى اللائمة على العنف الذي مارسه تنظيم القاعدة، اما فرق الموت والقتل على الهوية وعنف التنظيمات الشيعية فينظر له على انه نتيجة ورد فعل على العنف الأصلي الذي بدأه تنظيم القاعدة تحت مسميات عديدة. لكن ثمة مفارقة كبرى هنا تستحق التوقف أمامها: عنف القاعدة موجه للعراقيين بالأساس (توج مؤخرا بمواجهات مع العشائر) ويحصد من العراقيين أكثر مما يحصد من جنود الاحتلال.

هذه المفارقة ربما تكشف لنا لماذا تم تفسير عنف التنظيمات الشيعية (جيش المهدي، فيلق بدر) على انها رد فعل، كما يفسر لنا أيضا كيف ان المقاومة العراقية الموجهة أساسا للاحتلال تم اختزالها في عنف القاعدة بحيث أصبحت المقاومة ذات الأفق الوطني والأهداف الوطنية (التحرر من الاحتلال) محض إرهاب.

ولكي يصبح ضرب فكرة التعايش الأهلي نفسها ممكنا، فان عمليات القتل اليومية التي تستهدف العراقيين لابد ان تتم في المسرح والبيئة التي تمثل هذا التعايش في أوضح صوره، على هذا كانت العاصمة بغداد منذ البداية هي المسرح المثالي لهذا الهدف.

ان هذا يدفعنا لطرح التساؤلات من جديد حول ما اذا كان استهداف الشيعة تحت ذريعة التعاون مع الاحتلال وهو ما نسب الى الزرقاوي أكثر من مرة ومنذ بداية الاحتلال، يعكس اي نوع من الذكاء السياسي او الإدراك الحقيقي للتبعات.

فالنتيجة كانت واضحة منذ البداية بمجرد طرح الفكرة نفسها، فكيف يمكن ان يتم استهداف الشيعة من قبل تنظيم او تنظيمات إسلامية أخرى (سنية) دون ان تكون ردة الفعل والاستنتاج الوحيد هو ان السنة يستهدفون الشيعة؟

هذه ابسط المعاني، لكن المثابرة والعمل الذي لم يتوقف في هذا المسعى كرس الفكرة وابتلع الشيعة الطعم فردوا بالمثل ليصبح الاحتراب الأهلي هو النتيجة الوحيدة من كل هذا العنف المنفلت وغير السوي.

لن يكون بإمكاننا الإحاطة بالمدى المدمر لعنف القاعدة الا باستدعاء شيء من التحليل العلمي. ففي البحث القيم المعنون «دراسة إحصائية للنشاطات الإرهابية المرتبطة بالقاعدة في العراق» الصادرة عن «معهد الكانو الملكي» في اسبانيا،

يرصد الباحثون في جداول إحصائية العمليات المنسوبة لتنظيم القاعدة او التي أعلن التنظيم عن مسؤوليتها في شهر واحد هو يناير 2007 تطالعنا حقيقة شاخصة وهي ان غالبية عمليات وهجمات القاعدة تتركز في بغداد. (انظر:

A quantitative study of the terrorist activities linked to al-Qaeda in Iraq - يمكن قراءة البحث على هذا الرابط: http://www. mafhoum. com/press10/306P9. htm).

ففي ذلك الشهر، تم رصد 152 هجوما وتم التأكد منها من وسائل الإعلام وخصوصا قناة الجزيرة مثلما يذكر الباحثون، منها 75 هجوما في بغداد وحدها بنسبة تمثل 3. 49% من مجموع الهجمات.

ويبدو الفارق كبيرا بين الهجمات التي تمت في بغداد والهجمات التي تمت في مدن ومناطق أخرى حيث جاءت محافظة «الانبار» في المرتبة الثانية بعد بغداد في الهجمات التي شهدتها لكن الفارق كبير حيث سجل 25 هجوما بنسبة 4. 16%.

وكذلك في الهجمات التي تبناها ما يعرف باسم «دولة العراق الإسلامية» وتنظيم «أنصار السنة» حيث تم تسجيل 781 هجوما منها 281 هجوما في بغداد وحدها هي الأعلى مقارنة ببقية المناطق بنسبة تصل الى 36%.

لكن هذا يطرح مفارقة أخرى أمام كثافة الوجود العسكري الأميركي وكثافة حضور المؤسسات الأمنية للحكومة العراقية في العاصمة بغداد. فالعاصمة التي يفترض ان تكون الأكثر أمانا مقارنة ببقية المدن والمناطق العراقية أصبحت هي مسرح العنف وصاحبة النصيب الأكبر من العنف الطائفي. الا تطرح هذه المفارقة تساؤلات جدية؟

لقد أثمرت هذه المثابرة في شن الحرب الطائفية المنسوبة لتنظيم القاعدة الثمار المرجوة، فالكونغرس الأميركي يستعد للتصويت على خطة غير ملزمة بتقسيم العراق يقول مؤيدوها «انها تقدم حلا سياسيا في العراق يمكن ان يسمح بانسحاب القوات الأميركية دون ترك البلاد في حالة من الفوضى». (وكالة الصحافة الفرنسية - 25 سبتمبر).

بل ان صاحب الخطة السيناتور الديمقراطي المرشح للرئاسة جوزيف بايدن يحاجج بقوة قائلا «يقول الناقدون لا تعجبنا الخطة». «اذا لم تعجبكم هذه الخطة فهل عندكم أفكار أخرى».

اما النتيجة الأكثر إقلاقا ورعبا لهذا العنف الأهوج الذي ساد العراق حتى اليوم فهو الدستور العراقي الذي مازال قادة السنة العراقيون يمتنعون عن تأييده لا لشيء سوى انه يقترح فيدرالية من نوع جديد تقوم على أساس طائفي.

وهو رفض يدفع المدير التنفيذي لمشروع القرن الأميركي الجديد غاري شميدت للتساؤل «لماذا لا يوافق السنة العراقيون على الصفقة؟». (واشنطن بوست - 13 سبتمبر). مشروع القرن الأميركي الجديد؟ هل سمعتم بهذا الاسم من قبل؟ انه صاحب تلك الدراسة المسماة «إعادة بناء دفاعات أميركا»

التي قدمت قبل تولي إدارة بوش لمقاليد السلطة في عام 2000 وشارك فيها ديك تشيني ودونالد رامسفيلد وجيب بوش وبول ولفووتز وغيرهم من منظري الحرب العالمية على الإرهاب وخلصت للقول ان «عملية التغيير المطلوبة ستكون بطيئة جدا بغياب أحداث كارثية جوهرية بحجم كارثة بيرل هاربر». (راجع مقالنا: من جديد.. 11 سبتمبر وبيرل هاربر، صحيفة «البيان» 15 سبتمبر).

يتساءل شميدت في مقاله ذاك عن الأسباب التي تدفع السنة العراقيين للتردد او رفض المصادقة على مسودة الدستور العراقي الجديد قبل ان يقدم اجابة متبجحة الى ابعد الحدود: «الحقيقة هي ان العراق الديمقراطي بمشاركة واسعة من السنة غير ممكن قبل ان يدرك السنة العراقيون ان التمرد لن ينجح».

انه يقصد المقاومة التي جاءت كرد فعل على الاحتلال والتي تم اختزالها في عنف القاعدة. هكذا تتخلق الروابط بين الاحتلال والعنف الطائفي والعملية السياسية وأهدافها. ولم يكن الوصول لهذه النتيجة المرعبة بان يصبح التقسيم هو أفضل الحلول ممكنا الا بفضل حقيقة أساسية هي العنف الطائفي في العراق وشكرا لتنظيم القاعدة.

كاتب وصحافي بحريني