سقط سهواً في مقاربة الأمور بعد جلسة 25 سبتمبر، و(السهو) هو أنه يقتضي التَّوضيح أَن (التوافق) يستلزم أولاً وقبل كل شيء (توافقا على التَّوافق)، فهو لا يعني (تسوية كيفما كان)، كما لا يعني (صفقة فوقيَّة) تُملى على النُّواب، بل يعني مواصفات وشروطاً، أولها أن لا يكون الرَّئيس رئيسَ تحدٍّ لأحد.
ومهما تكن القوى التي ينطلق منها، يتوجب ان تكون له القدرة والإمكانية والقابلية للإنفتاح على الجميع، وهذه الميزات ليست عهداً أو وعداً يُقطَع للآخرين بين ليلة وضحاها، بل هو أداء وسلوك يظهر من ممارسات المرشَّح ليس في فترة ترشُّحه بل في كل مراحل حياته السياسيَّة، في النِّيابة وفي الوزارة وفي أي شأن عام.
إنطلاقاً من هذا التحديد تضيق رقعة الأسماء، فليس كل مَن سمَّى نفسه (توافقياً) يعني أنه صار كذلك، وإلا فإننا نكون أمام تسعمئة ألف توافقي، علماً أن الأمر ليس كذلك. وإذا شئنا الغوص أكثر في الموضوع لتبيَّن لنا أن في قوى 14 مارس هناك مرشَّحين توافقيين، والمشاورات الجارية إما أنها وصلت الى هذه النُّقطة في تحديد المرشح الأكثر حظاً، وإما أنها في الطريق للوصول إليها.
هكذا تكون اللقاءات التي رافقت جلسة 25 سبتمبر، وتلك التي أعقبتها، أكثر أهمية من الجلسة في حدِّ ذاتها. في هذا الإطار، تدلُّ كل المؤشرات على أن المباحثات بين بري والحريري دخلت مرحلة جوجلة الأسماء وثمّة مَن يُلمِّح الى أن اللقاء الأوَّل كان مثمراً، ولولا ذلك لمَا تمَّ اللقاء الثاني.
أكثر من ذلك فإن المحادثات تدور وفق منطق (السلَّة المتكاملة)، رئاسة جمهوريَّة ورئاسة الوزراء والحكومة، بحيث تشمل (الطبخة) كل (المستلزمات) للعهد المقبل، حتى في هذا الإطار حققت اللقاءات تقدُّماً ملحوظاً، لكن الحرص على عدم العرقلة ووضع العصي في الدواليب وتمرير المرحلة الأخطر في تاريخ لبنان، جعل القيِّمين على اللقاءين يُحيطونه بقدْر كبير من التحفُّظ لئلا يعمد المتضرِّرون الى إجهاضه.
وما يُعزِّز التفاؤل أن هذه المساعي تلتقي في منتصف الطريق مع جهود عربيَّة ودوليَّة وضعت كلمة سر هي (التَّوافق) وتركت للأفرقاء اللبنانيين تحديد مضمونها.
صحيح أن الشيطان يكمن في التفاصيل، لكن هناك شيطاناً آخر يكمن في المخاطر الأمنيَّة، لذا وجُب الإحتياط، لحماية الناس والنُّواب والأقطاب، وقبل كل شيء... المساعي.
