العدوان الأميركي على العراق بدأ في الخطإ ويستمر في الخطإ... فقد انطلق الغزو والاحتلال بدون غطاء من الشرعية الدولية وبدون مسوغ أخلاقي... ومنذ انتصاب قوات الاحتلال في بلد الرشيد بدأت القرارات الخاطئة في التهاطل.

من قرار حل الجيش إلى قرار تدمير مؤسسات الدولة وتمزيق أوصالها... إلى قرار إباحة البلد لعصابات النهب والتقتيل المنظم... إلى إشعال الفتن الطائفية أو تغذيتها وغض الطرف عليها وهي تأكل مئات آلاف البشر وتدمر المنازل وتهجّر الملايين داخل بلدهم وخارجه...

محدثة بذلك فرزا طائفيا على الميدان بدأ يكرّس تقسيما مبرمجا للعراق وفق انتظارات ومخططات معلنة من قبل قادة اسرائيليين وأعضاء فاعلين صلب الإدارة الأمريكية وذلك تمهيدا لتحقيق هدفين على الأقل : الأول وضع اليد على نفط العراق والثاني اقصاء خصم استراتيجي لاسرائيل من الحلبة بغية التفرغ للخصم الآخر إيران.

هذا التقسيم تقاطع في وقت من الأوقات مع طموحات القادمين على ظهور دبابات الاحتلال الذين ما انفكوا يعفنون الأوضاع ويدفعون في اتجاه تقسيم البلد... هذا التقاطع لم يكن وليد صدفة ولانتاج التقاء مصالح... بل هو يندرج في صلب الاستراتيجية الأميركية الهادفة إلى تقسيم العراق وخلق كيانات قزمية مرتبطة بالاحتلال وتستمد وجودها منه وتقبل برهن الثروة النفطية بين يديه.

ولعل استعداد الكنغرس الأميركي للتصويت في الأيام القادمة على خطة لتقسيم العراق «كحل وحيد لانهاء العنف في هذا البلد» يأتي ليؤكد أن ما يجري يندرج في إطار مخطط استراتيجي يهدف إلى استنساخ سيناريو التقسيم الذي جرى في البوسنة في الحالة العراقية.

وهذا قرار خاطئ ولن يزيد إلا في إذكاء نار الفتنة ولن يفعل أكثر من إشعال حريق كبير قد تمتد ألسنة لهبه إلى خارج العراق... ذلك أن الواقع العراقي مغاير بالكامل والتداخل كبير بين العشائر والأسر... والنسيج الاجتماعي للعراق يختلف جذريا عن نظيره في البوسنة.

وأكيد أن المخططين الأميركيين يدركون أن هذا التداخل سيكون وقود حرب أهلية مدمرة ولن تنتهي قبل عشرات السنين.. لأن العراق ليس كعكة يمكن تقسيمها هكذا بقرار بين 3 فرقاء..

ولأن الأميركيين سيدركون ـ بعد فوات الأوان ـ بأن كل ما جرى حتى الآن من فوضى ومن دمار وتقتيل ما هو إلا نزهة أمام البركان الذي سيفجره قرار التقسيم.. اللهم إن كان هذا المصير هو ما تضمره أميركا للعراق... وهو سيناريو سيظر العراقيين بالتأكيد لكنه سيضر بالكثير من المحيطين بالعراق وسيأخذ معه الكثير من المصالح الأميركية في الطريق...

لقد دفع العراق باهظ ثمن الأخطاء الأميركية.. لكن كل الأخطاء التي جرت في واد وخطأ التقسيم إن ذهبت إليه الإدارة الأميركية في واد آخر... لأنه ببساطة سيكون الخطأ القاتل للجميع.. لأنه باختصار شديد سيكون بمثابة شرارة الفوضى الشاملة.