ليس جديدا أن يتهرب الإسرائيليون من التجنيد الإجباري، ويتحايلون على القوانين التي تبقيهم على قيد الاحتياط بالمؤسسة العسكرية حتى منتصف الحلقة السادسة من أعمارهم، لكن هذا السلوك الفردي تزايد .

وتراكم واستفحل وصار ظاهرة تضرب إسرائيل في وجودها وتضع علامة استفهام حول إمكانية استمرارها دولة دينية عنصرية وعدوانية إلى الأبد، وتضرب في مقتل أحلامها الصهيونية التي تقوم على أنها دولة مديدة الحدود، تقوم من النيل إلى الفرات، وتفرض على جيرانها ردعا مستمرا، ورعبا دائما، وتضع لنفسها حدودا آمنة، لا يخترقها أحد.

ففي الأيام الأخيرة نشرت إحصائيات تفيد بأن 25% من الشباب و43% من النساء يرفضون الخدمة في الجيش، إما خوفا من الموت الذي يلاحقهم دوما على أيدي المقاومين في لبنان وفلسطين، وإما يقظة في الضمير، الذي ينظر إلى الحرب باعتبارها عملا بشعا، لا يمكن قبوله، ولا يجب التعامل معه باعتباره شيئا لذيذا، أو عاديا.

وتجسد الشهادات التي يدلي بها الشبان الرافضون والشابات الرافضات للخدمة هذا الأمر بجلاء، وهي عديدة لا تحصى، وما ينشر منها تباعا كغثاء السيل. وعلى سبيل المثال، لا الحصر، يقول شاب قضي سنتين في السجن لرفضه الخدمة العسكرية: «الحروب مستمرة والاحتلال مستمر. بدأ الناس يشعرون أنهم غير مضطرين لذلك».

وتقول شابة: «حين حان وقت تجنيدي كان كل ما استطعت التفكير فيه هو كيف أخرج من هذا المستنقع، الذي وضعتني فيه هذه الدولة. قررت ألا أكذب، أو أزيف، وأن أكون واضحة مع الجيش بقدر الإمكان».

وهاهي أم لثلاثة أبناء تقول: «إني غاية في الغضب، لأنه عندما يأتي ابني ويسألني لماذا أحارب، لا أعرف ماذا سأقول له. فأنا اعتقد أن إرسال الأبناء تحت مظلة القانون والعرف الاجتماعي للقيام بأمور لا يؤمن أغلب الجمهور بها، وليس لديه استعداد للتعايش معها، هو بمثابة جريمة».

وهاهو أب أحد الشباب المجندين يقول: «ما يحدث في هذه الدولة هو نوع من التعطش للدماء، أو عبادة تقوم على تقديم قرابين بشرية، ومن المستحيل الموافقة على ذلك والصمت عليه». ولم تقف حركة الرفض هذه عند حدود التعبير اللفظي، ولا التطبيق الفردي، بل اتجهت إلى تكوين تشكيلات مؤسسية، تجمع الرافضين،

وتخاطب المجتمع باسمهم. ومن بين هذه الكيانات حركة «الشجاعة في الرفض» التي بدأت نشاطها حين أصدر خمسون ضابطا وجنديا من جنود الاحتياط، أغلبهم ينتمون إلى سلاح المظلات وبعض الوحدات الخاصة، بيانا يعلنون فيه عدم استعدادهم لأداء خدمتهم العسكرية في الضفة الغربية، لأن «الأوامر التي يتلقونها لا تمت لأمن الدولة بأي صلة»

ولأن «الضفة الغربية ليست إسرائيل»، ولذا فإنهم لن «يشتركوا في حرب سلامة المستوطنات.. ولن يواصلوا القتل خلف الخط الأخضر بهدف السيطرة والطرد والهدم والإغلاق والتصفية والتجويع والإهانة لشعب بأكمله».

وتوجد حركة ثانية أنشأها أولياء أمور أربعة جنود تدعو إلى رفض الخدمة العسكرية في الأراضي المحتلة، وهم تحركوا من أجل «التغلب على الإحساس بالعجز، وتحويل أحاديث الصالونات الحزينة إلى عمل». وهناك أيضا حركة «بروفيل جديد» التي تقوم على جمع ونشر المعلومات بشأن حق السيدات في رفض التجنيد، وأسلوب ممارسة هذا الحق.

وقد انضم فنانون ومثقفون كبار إلى المتهربين، وباركوا خطواتهم، ففزع رئيس الوزراء إيهود أولمرت، ووعد بالتحرك للقضاء على هذه الظاهرة، وناشد الإسرائيليون قائلا: «ينبغي العودة إلى الأيام التي كانت فيها الخدمة بالجيش شرف وعمل صائب، يعد التهرب منه خطيئة».

لكن أولمرت ومن يحذو حذوه ينسون أو يتناسون أن عقل «الكيبوتس» القديمة قد ولت إلى غير رجعة، وحل مكانها مجتمع علماني مترف، يقدس «الهاي تك» و«تيك أواي» ويتجه بقوة نحو اللذة،

ويفرخ المستوطن ذا الرأس الصغيرة والمعدة الكبيرة، الذي يقدس (الفيات) الثلاثة (الفولفو والفيديو والفيللا) وعرفت إسرائيل «المواطن» الذي يفتقد الروح القتالية، والذي ليس لديه عزم ولا إرادة العيش في ظل خوف دائم، جراء العمليات الاستشهادية، أو أجواء الحروب المحتملة، من دون أي أفق في سلام دائم.

وما يفعله أولمرت حاليا ليس إلا نوع من إبطاء التأثير الفادح الذي ستخلفه هذه الظاهرة على مستقبل إسرائيل، واضعا نصب عينيه ما جرى في جنوب أفريقيا من قبل، حيث رفض الجنود البيض تأدية خدمتهم العسكرية في المدن التي يسكنها السود،

فقابلت الحكومة رفضهم برفض أشد، وضغط أقسى. لكن تصاعد مقاومة السود، التي كانت تنال من أرواح جنود بيض كل يوم، وسع حركة الرفض بين البيض، خاصة مع اتجاه السلطة إلى زيادة عدد المجندين لمواجهة المقاومين.

ولم تجد الحكومة بدا من طرح أشكال بديلة للخدمة العسكرية، لكنها لم تجد مفرا من الرضوخ للأمر الواقع، وإلغاء سياسة التفرقة العنصرية، والتفاوض مع الثوار، لينفتح الباب على مصراعيه أمام نيلسون مانديلا، كي ينتقل من غياهب السجن إلى كرسي الحكم.

وتعيش إسرائيل الآن مرحلة طرح البدائل المخففة تلك، متمثلة في خطة ترمي إلى جذب تجنيد الشبان من خلال السماح للرياضيين والموسيقيين الموهوبين وعارضات الأزياء بأداء الخدمة العسكرية بعيدا عن الجبهة، كي يكون بوسع هؤلاء جميعا أن يمارسوا مهنهم وهواياتهم.

علاوة على ذلك تعد الحكومة برنامجا للخدمة المدنية يتيح لمعارضي الحرب وغير اللائقين صحيا واليهود المتشددين الذين لا يسمح بتجنيدهم وعرب إسرائيل بأداء الخدمة بطرق أخرى مخففة.

وللالتفاف على جانب من حركة الرفض هذه شكلت الحكومة ما تسمى «لجنة الضمير» التي تمثل أمامها الفتيات الرافضات للجندية. فهذه اللجنة تضع جل جهدها في تفنيد قناعات الرافضات، وإثنائهن عن موقفهن، عبر وسائل عدة تبدأ بالإقناع، فإن لم يفلح تتبع طرق متعسفة، منها تقليل مدة المقابلة وإهانة الفتاة وتخويفها والتشويش على رأيها.

ويخطط مكتب أولمرت في هذه الآونة لوضع لائحة سوداء بأسماء المطربين الذين يرفضون الخدمة العسكرية، كي تمتنع السلطات المحلية عن استئجارهم للمشاركة في حفلات مدنية، وحث الشركات على عدم توظيف المجندين والاحتياط والمتهربين من الخدمة. وينادي البعض في الإطار ذاته بجيش «أقل عددا وأكثر احترافا» من خلال زيادة حجم التدريبات واستخدام التكنولوجيا على نطاق واسع، وبذل أجهزة الاستخبارات جهدا أكبر.

ويترافق مع ذلك الاستمرار ببث أيديولوجية عنصرية في صفوف الشباب المجند، وقبل التجنيد، تقوم على أن «العرب أعداء سفلة ومتآمرين غرباء، ولا إنسانية لهم». وفي الوقت نفسه يحاول كبار الضباط جذب الشباب إلى التجنيد بأي وسيلة مهما كانت غريبة أو بشعة.

فهاهو أحد مندوبي سلاح المشاة ـ حسب ما نشرت جيروزاليم بوست ـ حاول أن يقنع طلبة الصف الثاني الثانوي في القدس بأن ينضموا إلى وحدته عبر وعدهم أن من ينضم إلى الوحدة سيمكنه أخذ صور مع جثث حقيقية.

لكن محاولات الحكومة كانت تتداعى رويدا رويدا أمام اتساع حركة الرفض، التي ازدادت حين اشتد ساعد الانتفاضة الفلسطينية. أما بعد هزيمة إسرائيل في الحرب الأخيرة على يد حزب الله، فإن الرافضين للتجنيد يجدون حججا ومبررات أقوى، لاسيما مع افتقاد الثقة في أولمرت وقراراته الفاشلة، الأمر الذي يرجح أن تشهد السنوات المقبلة اتساع حركتهم، لتجد إسرائيل نفسها تركع في النهاية أمام منطق الحياة.

مدير مركز أبحاث ودراسات الشرق الأوسط ـ القاهرة