خلال يومي السبت والأحد 15 و16 سبتمبر الجاري شاركت في المؤتمر العالمي الذي انتظم في مدينة كادريتش الألمانية على ضفاف نهر الراين والذي شاركت فيه ثلاثون دولة من القارات الخمس بخمسمئة مفكر ونقابي .

وصاحب قرار وانعقد بمبادرة المعهد الألماني للعلاقات الدولية (شيلر) وخصص لمحور واحد هو كيف يمكن للعالم أن يتأسس على قيم التضامن والتنمية المشتركة وعلى مبادئ العدل والمساواة والحرية والسلام؟ في زمن راهن يهدد بأخطار الحروب والفواجع.

وبالطبع فإن المؤتمر الذي ضم شخصيات متميزة ومؤثرة من هذه الدول الكبرى والمتوسطة والنامية التأم في ظروف دولية منذرة بالمخاطر نسمع خلالها قرع أجراس الحرب ضد إيران ونرى فيها يومياً تعقد الحالة في فلسطين وإعلان إسرائيل عن مزيد من خنق قطاع غزة ومعاقبة مواطنيه جماعيا أمام مساع أميركية وفرنسية وأممية مختلفة الأهداف والمنطلقات لنزع فتيل الأزمات الكبرى التي تهدد بالانفجار.

ومثلما توقعت فإن نوعية المشاركين الرفيعة وضعت أزمة العالم اليوم في إطارها الصحيح أي أنها ليست مجرد أزمة سياسة بل أزمة حضارة، وأن الحلول الضرورية والناجعة لن تكون حلولاً سياسية بل حضارية، كما أن تفاقم المأساة في أقاليم عديدة من عالمنا لم يعد تنفع معه النوايا الحينة والمبادئ الأممية وشعارات السلام والديمقراطية ومقاومة الإرهاب.

فالذي نراه مهدداً بالانهيار اليوم ليس العراق وليست فلسطين وليست أفغانستان وليس لبنان فقط بل الإنسانية كلها وأولها الغرب الذي يعتقد بأنه بلغ أوج قوته وأنه في مأمن أمين من الهزات الكبرى التي ستعصف بالبشرية.

وقد أحسن المتكلمون تشريح مفاصل الأزمة حين أعادوها إلى الخيارات الامبريالية التي نشأت في أعقاب الحرب العالمية الثانية عندما تقاسمت القوى المنتصرة على النازية مناطق نفوذ على القارات الخمس

وفرضت الولايات المتحدة على العالم نظام بريتن وودس النقدي الدولي وأخضعت منظمة الأمم المتحدة لخدمة مصالح شركاتها العملاقة بواسطة البنك الدولي وصندوق النقد الدولي وبورصات الأسواق العالمية.

فلم يكن أمام الأمم المهملة على هامش التاريخ سوى الانصياع لتقسيم ( سايكس ـ بيكو) الجائر ودخول الامبراطوريتين الأميركية والسوفييتية إلى حلبة السباق والصراع والحرب الباردة من أجل إعادة تقسيم الغنائم بما يخدم مصالح هاتين القوتين على حساب الشعوب المغلوبة على أمرها.

وانتشر الظلم العالمي يحمل في طياته الحروب الأهلية وعمليات الإبادة الجماعية وانتشار المجاعات وانتقال الأوبئة وتفاقم ظاهرة الهجرات البشرية من الجنوب المحروم الى الشمال المتخم وتقنين سلب موارد الأمم المستضعفة وخيراتها وطاقاتها وعقول أبنائها وبذر بذور الفتنة بين دولها.

وقد تبنى المشاركون في المؤتمر المشروع الكبير الذي عرضه عالم الاقتصاد الأميركي والمرشح الأسبق للرئاسة الأميركية ليندن لاروش والذي يخطط لإنشاء معابر التنمية والتبادل التجاري العالمي من خلال شبكات عملاقة للسكك الحديد

وبناء الجسور والطرق السريعة وحفر الأنفاق ما بين القارات وهو مخطط ممكن الانجاز لأنه بكل بساطة كان موجودا تحت اسم طريق الحرير ما بين القارات الخمسة وكان موجودا تحت اسم (ترانز أوروب اكسبريس)، عندما كانت البشرية أكثر حكمة وعقلا وقبل جنون القوة الذي تملك بعض الأمم المستكبرة.

ان هذا المخطط الذي تبناه 500 من نخبة القارات الخمس ينادي بتحقيق السلام بأدوات التنمية المشتركة ولقد لخص أحد المفكرين الأميركيين المشاركين معنا هذه المعادلة بقوله إن ما تكبدته الولايات المتحدة في حربها على فيتنام في عهد الرئيسين كيندي وجونسون

على مدى عشر سنوات كان كافيا للقضاء تماما على المجاعات والفقر في العالم الثالث كله، وأن ما خسره الغرب في الحرب على العراق منذ عام 2003 إلى اليوم كان كفيلا بإنشاء الشبكة العملاقة من المعابر والطرقات والأنفاق لتحقيق التنمية العادلة والتي وحدها تنقذ البشرية من الكوارث والحروب والمجازر،

أي التأسيس لعالم أعدل بفضل السلام وتعاون الحضارات عوضا عن تصادمها.وهكذا رغم أن المؤتمر يظل يحلم بعالم يتصارع فإنه لا مناص من الحلم لأن الانجازات الكبرى التي حققها الإنسان بدأت حلما وانتهت حقيقة.

كاتب تونسي