يرى المحلل الاستراتيجي الفرنسي جيرار شاليان، في تعليقه على الفكر السياسي الأميركي، أن تنظيرات بريجنسكي أكثر رصانة ومرونة من تنظيرات صموئيل هنتنغتون. فهذا الأخير كان أحد المنظّرين الأميركيين الكبار للحرب الباردة مع الشيوعية.

وبعد سقوطها راح يراهن على أن الحرب المقبلة سوف تكون حرب حضارات أو أديان لا حرب أيديولوجيات كما كان عليه الحال في السابق. لقد انتهت الحرب بين المعسكر الليبرالي والمعسكر الشيوعي وابتدأت حرب جديدة من نوع آخر.

وقال بأن الحضارة الغربية سوف تصطدم منذ الآن فصاعداً بحضارتين أساسيتين هما: الحضارة الإسلامية، والحضارة الكونفوشيوسية. ولكن أطروحته هذه التي لاقت رواجاً كبيراً في البداية جوبهت بانتقادات عديدة على الرغم من أن ضربة 11 سبتمبر أعطتها مصداقية كبيرة.

و أحد الانتقادات الكبرى التي وجهت إليها هو أننا نلاحظ تنافساً، بل وصراعاً، داخل الحضارة الواحدة بين عدة دول قومية. فالحضارة الكونفوشيوسية تضم الصين وفيتنام وكوريا. ولكننا نعلم أن فيتنام هي العدو التاريخي اللدود للصين. فكيف نفسر ذلك؟

وداخل الإسلام نفسه هناك تنافس كبير أيضاً بين المذاهب المختلفة.. هنا لا يحير هنتنغتون جواباً. أما بريجنسكي فيدرس الوضع الدولي كما هو دون أن يضيع وقته في التنظيرات العمومية والمجانية. إنه ينص منذ البداية على الحقيقتين التاليتين:

أن هزيمة الاتحاد السوفييتي وسقوطه قد أديا إلى صعود الولايات المتحدة على مسرح التاريخ بصفتها القوة العالمية الأولى والوحيدة.

أن القارة الأوروبية-الآسيوية (أي التي تشمل أوروبا وآسيا) هي أهم منطقة في العالم. ومن يسيطر عليها يسيطر على العالم.

لماذا؟ لأنه يعيش فيها 75% من سكان الكرة الأرضية، ويتمركز فيها ثلثا الإنتاج الاقتصادي العالمي. فهي تضم دول الاتحاد الأوروبي في طرفها الغربي، وتضم الصين واليابان والهند وكوريا وغيرها في طرفها الشرقي.

وبين هذين الطرفين تقع دولة مهمة وأساسية هي روسيا. هذا بالإضافة إلى دول الخليج العربي الغنية بالبترول.. وبالتالي فإن هذا الامتداد الشاسع الواسع الذي يضم القارتين الأوروبية والآسيوية هو الذي يشكل رقعة الشطرنج الكبيرة التي ستدور عليها لعبة الأمم في القرن الحادي والعشرين.

هذا لا يعني أنه لن يحصل أي شيء في القارات الأخرى كأميركا اللاتينية وإفريقيا السوداء ولكن أحداثها لن تكون حاسمة أو لن تؤثر على الوضع الدولي بمجمله، وإنما سوف تظل أحداثاً محلية.

وحدها الأحداث التي سوف تحصل في القارة الأوروبية-الآسيوية في القرن المقبل هي التي ستحسم مصير العالم. ولذلك يركز المخطط الاستراتيجي زيجينيو بريجنسكي كل اهتمامه عليها. ويقول بأن اللاعب الأساسي على مسرح هذه القارة سيكون من خارجها: أي الولايات المتحدة الأميركية.

فأميركا الشمالية هي التي ستسيطر على مقدرات أوروبا وآسيا والعالم كله لفترة لا يعرف إلا الله مداها. وكل اللاعبين الأساسيين على المستوى العالمي ينتمون إلى القارة الأوروبية-الآسيوية ما عدا أمريكا.

فالاتحاد الأوروبي بدوله الأساسية كألمانيا وفرنسا وانجلترا وايطاليا ينتمي جغرافياً إلى أوروبا. والصين المرشحة لأن تلعب دوراً عظيماً في القرن المقبل تنتمي إلى الشرق الآسيوي، وكذلك اليابان والهند.

وحدها روسيا تمثل صلة الوصل أو الجسر الذي يربط بين القارتين الأوروبية والآسيوية. وهي دولة ذات إمكانيات طبيعية وبشرية ضخمة لا يستهان بها. وحتما فان لها مستقبل على خارطة العالم.

ولكن لكي تستمر الهيمنة الأميركية على العالم إلى أطول حد ممكن، فإنه ينبغي على أميركا أن تمنع أي دولة آسيوية أو أوروبية من التوصل إلى الهيمنة على أوروبا وآسيا. وبالتالي فإن السياسة المقبلة للولايات المتحدة تشبه سياسة بريطانيا العظمى في القرن التاسع عشر.

وأما فيما يخص مفهوم الهيمنة العالمية فإن الخبراء يقولون بأنه منذ أن وجدت البشرية وجدت الهيمنة. ولكن هناك فرق بين الإمبراطوريات التي هيمنت على العالم سابقاً، وبين الهيمنة التي تمارسها الولايات المتحدة اليوم.

صحيح أن الإمبراطورية الرومانية كانت ضخمة ومرهوبة الجانب. ولكن على الرغم من اتساعها إلا أنها لم تشمل كلية العالم. كانت محصورة بحوض البحر الأبيض المتوسط وما يجاورها. وقل الأمر نفسه عن الإمبراطورية الصينية والعربية والاسبانية والفرنسية والمغولية، الخ.

وحتى الإمبراطورية البريطانية التي سيطرت على البحار وكانت أقوى قوة عالمية طيلة قرن كامل (1815-1914) لم تستطع أن تهيمن على العالم كله.نقول ذلك على الرغم من ان الشمس لم تكن تغيب عن ممتلكاتها. ولكن بقيت لها منافسات لا يستهان بها كفرنسا وألمانيا وروسيا.

وحدها الولايات المتحدة الأميركية توصلت، وللمرة الأولى في تاريخ البشرية، إلى مرتبة القوة الأعظم المهيمنة على العالم بشرقه وغربه، بشماله وجنوبه. فلا تكتفي أميركا بالسيطرة على كل المحيطات والبحار،

وإنما تمتلك أيضاً قوات برية وجوية تستطيع أن تتدخل في أي منطقة من مناطق العالم. وتحتل قواتها العسكرية مواقع منيعة في طرفي القارة الأوروبية الآسيوية: أي أوروبا الغربية من جهة، واليابان وكوريا الجنوبية وتايوان من جهة أخرى. يضاف إلى ذلك أنها ترصد العالم كله من الجو وتستطيع ان تعرف عنه كل شاردة وواردة.. باختصار فإنها تسيطر عسكرياً على القارات كلها.

ولكن هناك سبب آخر للهيمنة الأميركية الشاملة هو: ديناميكية اقتصادها. فبعد الحرب العالمية الثانية مباشرة كانت تمثل لوحدها 50% من الاقتصاد العالمي: أي العالم كله في جهة وهي في الجهة الأخرى.

وهي حتى الآن تمثل 30% وهي نسبة كبيرة جداً بالقياس إلى عدد سكان أميركا وحجمها. كما أنها تمتلك الأسلحة الأكثر تطوراً في العالم من الناحية التكنولوجية. وفي مجال تكنولوجيا المعلوماتية الحديثة نلاحظ أنها تتفوق على اليابان ودول أوروبا الغربية.

وأخيراً ينبغي ألا ننسى أن الولايات المتحدة الأميركية تهيمن على الشبكة المصرفية العالمية من خلال مؤسستين كبيرتين هما: صندوق النقد الدولي، والبنك الدولي. هكذا نجد أن الهيمنة الأميركية تشمل مختلف قطاعات الوجود البشري: كالقطاع الاقتصادي، والقطاع العسكري، والقطاع التكنولوجي، والقطاع الثقافي، والقطاع السياسي.

وهناك عامل آخر يساهم في الإشعاع الأميركي بحسب ما يقول الخبراء: وهو أن أميركا لا تمارس هيمنها عن طريق القسر والإكراه إلا بعد أن تستنفد كافة وسائل الحوار والمفاوضات مع الطرف المعادي.

فواشنطن التي تمثل مركز القرار الدولي حالياً تحكم العالم على غرار ما تحكم أميركا ذاتها: أي بشكل تعددي، فيدرالي، مرن، ديمقراطي. ولهذا السبب لا يشعر الآخرون كثيرا بوطأة الهيمنة الأميركية. بمعنى آخر فانها عرفت كيف تزاوج بين القوة الخشنة والقوة الناعمة بحسب مصطلح شهير لصديق بيل كلينتون المفكر والسياسي المعروف: جوزيف ناي .

وهو لمن لا يعرفه عميد جامعة هارفارد سابقا وأستاذ العلاقات الدولية فيها حاليا. وقد استلم مناصب رفيعة في عهد كلينتون وكان سيصبح مستشار الأمن القومي لو نجح جون كيري. وهو يعتبر أحد العشرة الكبار من المحللين الاستراتيجيين في العالم.

وفي أميركا يعتبرونه المنظر الليبرالي او الديمقراطي المضاد لذلك المنظر الجمهوري واليميني المحافظ صموئيل هنتنغتون. ولكن هذا الباحث الكبير يعترف بان أميركا بعد ضربة 11 سبتمبر وبسبب سيطرة المحافظين الجدد على سياستها أصبحت تستخدم القوة الخشنة أكثر بكثير من القوة الناعمة: أي قوة الدبلوماسية والجاذبية الثقافية والحضارية التي لا تنكر.

وهو يأسف لذلك ولكنه يرى ان هذا وضع مؤقت سوف ينتهي من تلقاء ذاته بعد ان تشبع أميركا انتقاما لكبريائها الجريحة. ولكن متى ستشبع؟ وهل ستنتهي سياسة القوة والعصا الغليظة برحيل بوش عن البيت الأبيض؟ هذا ليس مؤكدا على الإطلاق. فإذا ما حل محله الجمهوري رودلف جولياني فربما سيكون أشد قسوة منه لأنه كان عمدة نيويورك أثناء حصول الضربة الشهيرة صبيحة 11 سبتمبر..

حقا لقد توصلت الولايات المتحدة إلى موقع الهيمنة الشمولية على العالم. وليس هناك أي منافس جدي يستطيع تهديد موقعها حالياً. ولكن ما الذي سيحصل في المستقبل؟ فهذه الهيمنة لن تدوم إلى الأبد.

والخبراء لا يعطونها عمرا يزيد على الثلاثين عاما: أي حتى عام 2040 أو 2050 على أكثر تقدير. بعدئذ سوف يقلب العالم في جهة العرق الأصفر الآسيوي ويفقد الغرب هيمنته التاريخية التي استمرت أربعمائة سنة متواصلة. ولكنه سيظل أحد الأقطاب الأساسية المؤثرة على السياسة الدولية. والله أعلم..

كاتب سوري - باريس