كي يعقب القول بالفعل، وكي يصدق إذا تكلم، ويصدق إذا وعد، ويحسن إذا فعل ويحرص على أن يكون الإنسان في بلده دائما في المركز الأول، كانت وقفة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي أمس ضد حبس الكتاب والصحافيين.
ولإصدار قانون جديد للمطبوعات والصحافة والنشر تلغى فيه العقوبات السالبة للحرية للصحافيين وأصحاب الرأي، واحدة من الوقفات الأبوية والقيادية، النابعة من رؤية إنسانية وعقلية سياسية والتي عنوانها الحرية ورسالتها هي المسؤولية.
وربما يتصور البعض أن مطالب توفير الحرية للصحافة هي مطالب مهنية أو فئوية تميز الصحافي الذي هو بمثابة المحامي العام للرأي العام عن غيره من الفئات المهنية الأخرى في المجتمع، وتضع ريشة على رأسه فيما تنزع الريش عن رؤوس الآخرين..
وهذا تصور لا يرى من الصورة إلا جانبا بينما لا يرى جانبها الآخر، لأن مزيدا من ضمانات الحرية للصحافة يعني مزيدا من ضمان الحريات للمجتمع، باعتبار الصحافة في صحيح دورها هي صوت هذا المجتمع، وباعتبار الحرية مسؤولية في حد ذاتها وأن المزيد من مساحة الحرية يزيد ثقل المسؤولية.
بالإضافة إلى أن مسألة حرية الصحافة هي جزء من قضية عموم الحريات في المجتمع التي هي حق من حقوق الإنسان الأساسية، مثل حرية الاعتقاد وحرية التفكير وحرية التعبير التي أصبحت عنوانا لحرية أي أمة بين الأمم ومن هنا سبقت الإمارات غيرها وحلت هذه المشكلة المعلقة بين الصحافة والسلطة.
ومازالت مجتمعات كثيرة وكبيرة تكتفي بالتغني بالحرية دون أن تحققها، وتنص عليها بصياغات كبيرة وبراقة في دساتيرها، لكنها تلتف عليها بقوانين فضفاضة أو غامضة وبنصوص ملتبسة تحتمل التفسير الجيد في جانب والتفسير السيئ في أكثر من جانب.
وبعضها لا يجد نفسه في حاجة إلى الالتفاف على هذه النصوص الدستورية الواضحة والصياغات القانونية الغامضة ولا إلى الدوران من حولها عندما ينقض عليها وعلى كل الحريات والحقوق للمواطنين جميعا بما فيهم الصحافي والقاضي والمحامى بكل وضوح بتطبيق الأحكام العرفية أو قوانين الطوارئ.
وإذا كانت الحرية لا تعني الديمقراطية، إلا أنه لا ديمقراطية بلا حرية وفى مقدمتها حرية الصحافة، في حين يمكن للحرية أن تكون بلا ديمقراطية. وفي الواقع لا توجد حرية مطلقة لا في القول ولا في الفعل ولا في الحركة، أي لا في التعبير ولا في السلوك، إذ انه من حيث المبدأ فإن حرية أي فرد أو جماعة تقف عندما تبدأ حرية الآخرين، ومن حيث الواقع فإن حرية السير لا ضمان لها بغير إشارات للمرور.
كما أن الخطوط الحمراء، ليست في بلادنا العربية أو دول الشرق فقط، بل هي في البلاد الأوروبية وفي دول الغرب أيضا، وليست تشكل حدودا على حرية الصحافيين فقط، بل تطال معهم المفكرين والمؤرخين والباحثين والعلماء أيضا.
وهم في الغرب لهم قائمة محظورات وتابوهات يمنع الاقتراب منها كالهولوكوست أو النازية أو الفاشية، وكم قدم للمحاكمات للأسف وتعرض للسجن أو الغرامات شخصيات بارزة ومحترمة كالمفكر الفرنسي الكبير «رجاء جارودي»، أو المؤرخ الإنجليزي المعروف ديفيد ايرفنج وغيرهم لمجرد أنهم قاموا بعمليات بحثية أو تناولوا حقائق موضوعية أو تاريخية ثابتة وعادية متصلة بهذه التابوهات المحرمة.
وليس هذا تبريرا لتعريض العلماء والمفكرين والكتاب والصحافيين للأحكام بالحبس أو حتى الغرامات الباهظة في قضايا تتصل بطبيعة عملهم الصحافي خصوصا إذا حدثت بحسن نية، وإذا كان في القوانين المتطورة ما يمكنه اعتبارهم مثل المحامين المترافعين في القضايا لا يقعون في دائرة التأثيم عن مرافعاتهم الصحيحة.
إن وسائل معالجة مشاكل الحرية للذين يؤمنون بها كثيرة ومتعددة، ولا تتوقف عند الحبس، والحبس لا يحل مشاكل الحرية بقدر ما يصنع أبطالا للحرية، وقد يبدو أن الأحرار تنقصهم الحكمة، وأن الحكماء يخافون الحرية،
لكن مشاكل الحرية تحل بمزيد من الحكمة وبمزيد من الحرية.. من الحكمة ومن موقف المحبة لا من موقف العداء تنبه وتوجه وترشد، ومن الحرية ومن موقف المسؤولية لا من موقف التجاوز تؤكد ألا حرية بلا مسؤولية.