في أقل من شهر أثار وزير الخارجية الفرنسي برنار كوشنير ردود أفعال غاضبة إثر تصريحاته البعيدة عن الكياسة الدبلوماسية سواء بالنسبة للعراق أو بالنسبة للملف النووي الإيراني.
لكن تصريحات كوشنير ليست بريئة ولا زلة لسان وإنما توحي بالنهج الجديد الذي يتبعه الإليزيه في إعلانه القطيعة مع الماضي وتبني سياسة خارجية مباشرة وبراغماتية وتقوم على مصلحة فرنسا قبل أي اعتبار آخر خاصة تلك المواقف المعارضة والمعاكسة لقرارات الولايات المتحدة الأميركية.
الضجة الأولى أثارها كوشنير مع العراق عندما طالب باستبدال رئيس الوزراء نوري المالكي، حيث اعتبر العراقيون تصريحات كوشنير تدخلاً في شؤونهم الداخلية. أما الهفوة الدبلوماسية الثانية فتتعلق بالتهديد بالحرب على إيران وتجاهل الوزير الفرنسي الوسائل الدبلوماسية في التعامل مع الأزمة النووية.
خطاب كوشنير سواء ما يتعلق بالعراق أو بالنسبة لإيران يشير إلى أن الدبلوماسية الفرنسية تسير في الاتجاه الأميركي وإحياء الحلف الأطلسي وإحداث التغيير والقطيعة مع السياسة المضادة لأميركا التي انتهجتها فرنسا منذ عهد ديغول والجمهورية الخامسة. هل هي حقبة جديدة في الدبلوماسية الفرنسية؟
وهل هو نهج جديد لفرنسا في محاولة قيادتها للاتحاد الأوروبي بتحالف براغماتي جديد مع الولايات المتحدة الأميركية لمواجهة تحديات الإرهاب ومشكلة الملف النووي الإيراني ومشكلة العراق وأفغانستان؟
تميزت فرنسا في عهد الديغولية خلال الأربع عقود الماضية بمواقفها المضادة لمعظم قرارات الولايات المتحدة الأميركية، وآخر هذه المواقف كان موقف شيراك من الحرب على العراق ومعارضته للحرب على العراق ورفضه القاطع لسياسة البيت الأبيض البنتاجون سواء بالنسبة للحرب على العراق أو الحرب على الإرهاب .
فيما بعد هذا وحتى مغادرته الإليزيه. لكن يبدو أن فرنسا ساركوزي ليست فرنسا شيراك ولا ميتران ولا ديغول. فمنذ مجيئه إلى الحكم أصر ساركوزي وأكد أنه سيطبق برنامج القطيعة وبرنامج التغيير وإعادة التأسيس للسياسة الخارجية الفرنسية لاستعادة المكانة الحقيقية لفرنسا في أوروبا وفي العالم.
تصريحات وزير الخارجية الفرنسي برنار كوشنير إزاء الملف النووي الإيراني أثارت ردود أفعال كثيرة ومتباينة وتقاطعت بكل وضوح مع الموقف الأميركي. ففي خطابه أمام السفراء الفرنسيين في نهاية الشهر الماضي طرح الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي فكرة ضرورة تخلى إيران عن برنامج التخصيب المكثف لليورانيوم أو أنها ستواجه الحرب وتدمير منشآتها النووية.
كوشنير لم يأت بجديد وإنما أكد فكرة ووجهة نظر رئيسه في توقيت مهم جدا وهو مؤتمر وكالة الطاقة الذرية وقبل أيام قلائل من انعقاد الدورة السنوية للجمعية العامة للأمم المتحدة. السياسة الفرنسية الجديدة إزاء الملف النووي الإيراني تضع ضغوطا كبيرة على الاتحاد الأوروبي للتعامل مع العقوبات المفروضة على إيران خارج الأمم المتحدة.
فزعماء العديد من الدول الأوروبية يرون أن تصريحات كوشنير جاءت متسرعة وخرجت عن إطار العمل الأوروبي المشترك. فهناك العديد من الدول الأوروبية لا يشاطر كوشنير في تصريحاته ولا أطروحات الرئيس الفرنسي سواء بالنسبة للملف النووي الإيراني أوسياسة أميركا في العراق.
من جهتها هاجمت إيران فرنسا بعد تصريحات كوشنير واتهمتها بالتطرف وعدم العقلانية والخنوع للموقف الأميركي والارتماء في أحضان واشنطن والغطرسة الأميركية وهيمنة العم سام على العلاقات الدولية والسياسة الدولية.
فحسب الإيرانيين، تصريحات كوشنير تسيء إلى مصداقية فرنسا وسمعتها وإلى عهدها المعروف بمواقفها المعتدلة والتي تقوم على الشرعية الدولية والاحتكام إلى المنطق والرجوع إلى مجلس الأمن الدولي لمعالجة القضايا الشائكة والمعقدة في العالم. السياسة الفرنسية المناوئة للغطرسة الأميركية والمعارضة لكل المبادرات الأميركية في العالم أصبحت من سجلات الماضي وعهدها قد ولى في ولاية ساركوزي وكوشنير.
هل تريد فرنسا من خلال هذا الموقف أن تحل محل بريطانيا في علاقاتها مع واشنطن؟ وهل تريد أن تلعب الدور القيادي الجديد في الاتحاد الأوروبي لتقوده في اتجاه تناغم سياسة أوروبا مع سياسة الولايات المتحدة الأميركية؟
فتصريح كوشنير ليس زلة لسان وليس خطأ عابرا إنما جاء ليعبر عن التحول الجديد في السياسة الخارجية الفرنسية الذي أشار إليه الرئيس ساركوزي في عدة مناسبات وهو البراغماتية والابتعاد عن العداء لأميركا بدون سبب ولا فائدة ومراعاة مصالح فرنسا بالدرجة الأولى.
ساركوزي يعلن بتصريحاته الأخيرة تغيير ثوابت ومبادئ الفلسفة الدبلوماسية الفرنسية التي أسسها الجنرال شارل ديغول، مؤسس الجمهورية الفرنسية الخامسة.فرنسا ساركوزي تتحالف ضمنيا مع توجهات السياسة الأميركية سواء فيما يتعلق بالملف الإيراني أو الشرق الأوسط وخاصة القضية الفلسطينية.
إفلاس السياسة الخارجية الفرنسية بعد الحرب العالمية الثانية جاء نتيجة التركيز على العناد والمعارضة والاختلاف مع الأميركيين في كل القضايا، حتى لو كان ذلك على حساب المصالح الوطنية الفرنسية
وحتى لو كان ذلك عن طريق تدعيم وإرضاء قادة المستعمرات الفرنسية الذين اشتهروا بالاستبداد والدكتاتورية والفساد. هل تعني تصريحات ساركوزي ومن بعده كوشنير انتهاء عهد السياسة المعادية لأميركا والتوجه نحو بناء تحالف أطلسي.
في 2003 انشطرت أوروبا إلى «عجوز» و«قديمة» ضد الحرب على العراق، وجديدة موالية للحرب. أما الشارع الأوروبي فكان معظمه آنذاك ضد الحرب. أوروبا في 2007 غير أوروبا 2003 حيث تخلت النخبة السياسية عن السياسة المضادة لأميركا إلى السياسة الموالية لأميركا،
فكل من ساركوزي وانجيلا مركل يؤكدان على ضرورة إنشاء التحالف الأطلسي والتقرب أكثر من الولايات المتحدة الأميركية كأن التاريخ يعود بفرنسا وأميركا إلى عهد الحرب التحريرية الأميركية.
وحتى إسبانيا التي سحبت قواتها من العراق مع مجيء ثباتيرو إلى الحكم تعمل هذه الأيام على التعاون والتقرب من أميركا لمحاربة الإرهاب. أما دول أوروبا الوسطى والشرقية فولاؤها للعم سام يزيد يوما بعد يوم.
فحسب أنصار تيار التحالف مع الولايات المتحدة الأميركية فإن صعود الصين والهند اقتصاديا وتحديات ظاهرة الإرهاب وحرب العراق وأفغانستان كلها عوامل تستدعي التحالف مع الولايات المتحدة الأميركية.
من جهة أخرى أدى صعود روسيا كقوة، وتلويح بوتين بعودة الحرب الباردة، بغالبية الدول الأوروبية إلى إعادة النظر في علاقتها مع العم سام. هذه العوامل كلها أدت إلى انهيار العداء الضمني ضد أميركا والتوجه نحو التحالف معها والتفكير في حلف أطلسي قوي يضمن مصالح أوروبا وأميركا في آن واحد.
كلية الاتصال - جامعة الشارقة
