الخلاف الدستوري حول الاستحقاق الانتخابي الرئاسي في لبنان ليس سوى صورة سطحية لصراع القوى الداخلية، فجوهر الصراع هو تناقض الرؤى بشأن ما ينبغي أن تكون عليه هوية لبنان كدولة وشعب.

وهذا التناقض بدوره ينبع من تناقض رؤى القوى الداخلية تجاه إسرائيل وبالتالي تجاه القوى الغربية ـ وحصرا الولايات المتحدة وفرنسا ـ التي ترى أنه لا هاجس لها في منطقة الشرق الأوسط أعظم من مناصرة الدولة اليهودية ضد الأمة العربية.

من هذا المنظور فإن التصارع بين القوى الداخلية اللبنانية ليس طائفي المنشأ بالدرجة الأولى. أجل.. الورقة الطائفية يمكن أن تستخدم لتأجيج الصراع خلال ظروف معينة كأن تعمد فرنسا إلى تحريض الطائفة المارونية ضد طوائف مسلمة على نحو ما جرى خلال الحرب الأهلية «1975 ـ 1990»

لكنه صراع ينشأ بالدرجة الأولى عن اعتبارات سياسية. وإلا فما الذي يجمع بين المسلم السني سعد الحريري والدرزي وليد جنبلاط والماروني سمير جعجع سوى ولائهم الكامل لأجندة التحالف الأميركي الفرنسي مع إسرائيل؟

قبل نصف قرن تقريبا هبطت قوات المارينز الأميركية في ساحل بيروت. كان ذلك بدعوة رسمية من رئيس جمهورية ماروني ـ كميل شمعون ـ استبد به الفزع ـ كما استبد بالغرب وإسرائيل ـ من تصاعد واشتداد المد القومي الناصري آنذاك وانعكاسه على الساحة السياسية اللبنانية.

فقد بات الشارع اللبناني في حالة غليان تجاوباً مع نداءات عبدالناصر لاستنهاض الشعوب العربية وحشد حماستها ضد الدولة اليهودية العدو ـ خاصة أن عبدالناصر لم يتبن خطاباً دينياً إسلامياً وإنما كان يبشر برسالة قومية عروبية تتجاوز خطوط الانتماءات الدينية والمذهبية والطائفية من الخليج إلى المحيط.

شمعون ومعه غالبية الحكام العرب ومن ورائهم شرائح الرأسماليين العرب المرتبطين برأس المال الغربي بغض النظر عن هوياتهم الدينية فزعوا من الخطاب الناصري ذي النبرة الراديكالية الثورية لأنهم اختاروا لأنفسهم اصطفافاً طبيعياً مع الغرب وإسرائيل.

ها هو التاريخ يعيد نفسه الآن في لبنان. والمشهد الراهن في لبنان هو في حقيقته صورة مصغرة ـ لكنها ناطقة ـ للصورة الأكبر في العالم العربي. نفهم إذن لماذا يتبنى فريق من الزعامات اللبنانية بغض النظر عن انتماءاتها الدينية والطائفية ـ أجندة الولايات المتحدة

وفرنسا في المطالبة المستميتة بتحييد القوة النضالية المسلحة لحزب الله على طريق التصفية النهائية لأي مقاومة وطنية لبنانية موجهة ضد بقاء إسرائيل، ونفهم لماذا استحقت كل من سوريا وإيران غضب هذا الفريق. فالغضب ضد دمشق وطهران مستورد من واشنطن وباريس.

في سياق الحرب الأهلية اجتاحت إسرائيل الأراضي اللبنانية مرتين، وفي كل من هاتين المرتين أثلج الغزو صدور زعامات لبنانية فعقدت تحالفات مشينة مع القوة الصهيونية الغازية.

لن يهدأ لبنان إذن طالما بقيت هناك زعامات تحت خدمة الولايات المتحدة وفرنسا انطلاقاً من رؤيتها لمستقبل لبنان ككيان معادٍ للأمة العربية ورؤيتها لإسرائيل كدولة «شقيقة».