يقول أحد دعاة الحرب "الدماء سماد العبقرية" لكننا لم نجد في زعامات من فتحوا النيران على السلام العالمي ان كانوا عباقرة، وحتى ما وصف به نابليون أنه عبقري شكك كثيرون بهذه المنحة، والدليل أن هتلر، وموسوليني، وزعماء حرب الأديان والقوميات ومغريات الأسواق والمواد الأولية لم نجد بينهم هذه الصفات، وإلا لكان صدام حسين أحد هذه المفردات التاريخية بتميزه الكبير بإعلان حربين في غضون سنوات قصيرة، وارتفع على جثته بنيل هذه العبقرية الرئيسان بوش الأب والابن.
العراق ميدان معركة قائمة، وأهمية أن تستمر الكتابة عن شؤونه أنه قطر يملك خصائص نادرة في موازين دفعه أن يكون أحد مرتكزات الوطن العربي، والعالم الإسلامي، والغريب أن هذا البلد الذي تكررت في تاريخه الحروب وصفه المفكر العراقي الكبير "على الوردي" أن أزمة العراق في صراع السنة والشيعة لم تنطلق من الداخل، وإنما من الدولة الصفوية التي كانت سنية وتشيعت في الزمن الذي كانت الخلافة التركية السنية هي الحامي لهذا المذهب، وبسبب هذا الخلاف نشأت حروب إيران وتركيا التي ظل ميدانها العراق.
الآن وحالة الضعف التي تشل حركة هذا الإقليم العربي، ذي التنوع المذهبي والأثني والقومي، يدعو بعض أعضاء الكونجرس الأميركي إلى تقسيمه، وهو هدف معلن لأميركا وإسرائيل قام على مبدأ أن إسرائيل لا تستطيع العيش بسلام إلا بتمزيق الخارطة العربية، لكن بماذا نفسر توقيع العراق المزمع مع تركيا اتفاقاً لمكافحة الإرهاب يسمح للجيش التركي بالتوغل داخل الحدود العراقية لملاحقة متمردي حزب العمال الكردستاني، هذا الاتفاق هل يثير شهوة إيران التي لها نفس المشاكل مع الأكراد، وقد تتسع إلى جنوب العراق بافتعال أي مشكلة مع الطوائف هناك، أو بعض العشائر، وكذلك سوريا المتشابكة عضوياً وحدودياً مع الأكراد أيضاً، أن تطالب بنفس الامتيازات والحقوق، ليكون العراق بين مشروع التقسيم وحق التدخل بأراضيه شكلاً جديداً لم تطبق اتفاقاته على أي بلد في العالم حتى مع ضعفه، ونصل بهذه النقطة إلى الصومال التي كافحت تدخل القوات الأثيوبية رغم المساندة من الداخل.
لا ندري إذا وصل اليأس في السلطة وخارجها حد القبول بما هو مرفوض بكل الأزمنة والتواريخ، صحيح أن تركيا ليست دولة عدوانية حتى في ظروف تقاطع الطرق السياسية مع صدام، إذ رغم تحالفها مع أميركا كانت حذرة أن تدخل في شبكة الخلافات وتنافر البلدين من أجل أن تلعب دوراً يتفق والنهج الأميركي، لكنها اعتادت أن تدخل الحدود العراقية بما يشبه الحرب ضد المتمردين الأكراد، وربما يكون الخوف الأكبر الآن أن ضعف العراق الحالي، قد يجعل نواة استقلال الشمال الكردي عن دولة المركز في بغداد مدعاة لأن تشكل بداية الكيان الكردي الأكبر مما يعني اقتطاع جزء كبير من أراضيها لإلحاقها بهذا الكيان الناشئ ونفس المخاوف تجري في كل دولة لها نفس الحساسية مع الكرد، لكن مع كل الافتراضات والاحتمالات، هل بدأ تقسيم العراق فعليا؟ وما هي توابع هذا التقسيم ؟وهل يصبح بؤراً تدفع بالعراقيين الآخرين إلى هز الكيانات المجاورة نتيجة فوضى التقسيم؟ وماذا عن مقدرة الدول المحيطة به في المحافظة على سلامتها إذا ما أصبح العراق نموذجاً لحروب العصابات التي تديرها كل الفئات الفاقدة لكيان الوطن، خاصة حين تقول "عليَّ وعلى أعدائي"؟
