هذا اليوم السبتمبري يمثل الحاجز الوهمي بين يومين مختلفين يوم للأمل ويوم للألم أو بين ماءين مختلفين ماء النهر وماء البحر المالح، يوم أمس السادس والعشرين من سبتمبر كان يوما من أيام الأمل العربي، بعذوبة ماء النهر المستمر في جريانه قبل أن يعبر الحاجز ليصطدم بالصخور الدامية.

ويختلط هذا الماء العذب الفرات بماء البحر الملح الأجاج، الذي اختلط بالدم والدموع في اليوم الثامن والعشرين من سبتمبر في دمشق عام 61، وفى عمان عام 70 وفى القاهرة عام 70 وفى بيروت عام 82.

وهذا اليوم الرمضاني الخامس عشر من رمضان، يمثل الجسر الحقيقي الواصل بين نصفين من شهر كله خير، أيامه العشر الأولى أيام رحمة تنتهي بيوم خالد هو العاشر من رمضان، وأيامه العشر الوسطى أيام مغفرة وتمر بيوم السابع عشر من رمضان وهو يوم الانتصار العظيم للمسلمين في معركة «بدر» الكبرى وأيامه العشر الأخيرة أيام عتق من النار التي تحتضن في ليلة واحدة وترية منها ليلة هي خير من ألف شهر.

ولولا أن «سبتمبر» المشحون بالألم والأمل جاء هذا العام في رحاب «رمضان» المشحون بالصبر والنصر، لطغى الشعور بالألم على الأمل ولفرض علينا أن نتذكر ونذكر بما في الذاكرة من أحزان الأمة، والحديث عن يوميات سبتمبر الحزين.

أيام سبتمبر الأولى في ذاكرتي تظهر فيها مشاهد قديمة وحديثة القديم فيها مازال خالداً وملهماً والحديث فيها كان فاصلاً ومستمراً، أول المشاهد كان في التاسع من سبتمبر 1881 يوم ثورة الضباط الوطنيين من أبناء الفلاحين المصريين بقيادة الزعيم أحمد عرابي الذي وقف في ساحة «قصر عابدين» أمام خديوي مصر في عز سلطانه

ليقول له بصوت عالٍ غير هياب باسم الشعب المصري: «لقد خلقنا الله أحراراً و سنبقى أحراراً، ولم يخلقنا تراثاً أو عقاراً، والله الذي لا إله غيره إننا لن نورث ولن نبقى عبيداً بعد اليوم».. ولم يكن أمام الخديوي ـ كعادة الحكام الذين يخاصمون شعوبهم سوى الاستعانة لحماية عرشه بالإنجليز الذين حركوا جيوشهم بحجة التصدي لثورة عرابي ولكن بهدف رئيسي هو احتلال مصر الذي تم في العام التالي.

وثاني المشاهد الإيجابية الحديثة من سبتمبر مما لا يزال باقيا ومؤثرا في الحاضر، هو يوم الأول من سبتمبر عام 1969، يوم أول ضوء لاح في ظلام أيام ما بعد الهزيمة العربية في عدوان عام 1967 عندما قامت الثورة الليبية وأقدمت على خطوة جسورة بطرد أكبر القواعد العسكرية الأميركية والبريطانية التي خرجت منها طائرات مساندة العدوان الإسرائيلي على مصر وسوريا والأردن وظل يشكل وجودها على الأرض الليبية مظلة حماية لإسرائيل.

غير أن ذكرى الأمس كانت ذكرى يوم فاصل في التاريخ اليمني الحديث عندما تفجرت الثورة اليمنية بقيادة الضابط «عبد الله السلال» ليبدأ فصل درامي جديد في هذه المنطقة من العالم ولينقل اليمن من القرون الوسطى إلى العصر الحديث، ولتكون ثأراً للوحدة العربية من جناية الانفصال في العام 1961، ولتكون قاعدة لتحرير الجنوب اليمني المحتل من الاستعمار الإنجليزي البغيض.

إن هذه الذكريات السارة لا يمكنها أن تخفي الذكريات الحزينة مثل الأحداث الدامية المأساوية للفتنة الأردنية الفلسطينية والتي يطلق عليها «أيلول الأسود»، والتي دفع على إثرها الزعيم العربي الراحل جمال عبدالناصر حياته ثمناً لها في الثامن والعشرين من سبتمبر وهو الموافق ليوم غد، أو ذكرى مذبحة مخيمي «صبرا وشاتيلا » للاجئين الفلسطينيين والتي لم أشأ الاستغراق فيها حرصا على إبقاء طعم الفرح بأيام رمضان على المذاق المر لبعض أيام سبتمبر.

لكن ولحسن الحظ أن أيام «سبتمبر» الاثني عشر التي سبقت قدوم «رمضان» لم تكن سوى أيام الأمل من سبتمبر، بينما جاء مع النصف الثاني منه مع أيام الألم حيث طغى نور رمضان على ظلمة سبتمبر إما ليشغلنا برحمته عن قسوة الآخر، أو بمغفرته عن جرم الآخر، أو بفرحته عن حزن الآخر.

mamdoh77t@hotmail.com