في شهر رمضان، يقدم الشيخ سلمان العودة مثالاً حياً لكيفية تجديد الخطاب الديني الإسلامي وتلك قضية ملحة للبدء في أي مشروع حضاري في العالمين العربي والإسلامي. أجدني، بشكل يكاد يومياً، منشداً لمتابعة أطروحات العودة عبر البرنامج التلفزيوني «حجر الزاوية» على قناة الإم بي سي.

أكثر ما أدهشني وأسعدني في خطاب العودة الجديد هو غلبة «الهم التنموي» والإرتباط بقضايا الواقع وبإشكالات التنمية الإنسانية التي نعيشها في العالم العربي. العودة، عبر برنامجه التلفزيوني، يمتاز بالمتابعة الدقيقة لقضايا الراهن وبالمعرفة الحقيقية بمواطن الخلل في الثقافة العربية المعاصرة.

وهو هنا يعطي مثالاً حياً على كيفية تجديد الخطاب الديني بلغة عصرية قوامها المعرفة والواقعية وفهم المأزق التنموي الحقيقي المُعطل لأي بادرة نهضوية في العالم العربي. وفي ظل ردة الفعل الجاهلة تجاه أي دعوة لتجديد الخطاب الديني يقدم العودة أنموذجاً حياً لمفهوم تجديد الخطاب الديني، فكرة كانت - ولم تزل - مدعاة لكل أنواع التهم وسوء الظن .

فهل في الدعوة إلى معالجة أزمات الأمة الحضارية، بأبعادها الإقتصادية والفكرية والسياسية والإجتماعية، إنتقاص من الدين أو «تحالف مع الأعداء»؟ قبل أيام تحدث الدكتور العودة بإسهاب وبمعرفة واضحة عن شركة العملاقة، نشأتها وثقافة العمل فيها،

كأحد النماذج العالمية للنجاح والإبداع، ووضع إصبعه على أحد مواطن أوجاع التنمية: لابد من تشجيع الإبداع والإبتكار وفتح أبواب العمل الخلاق أمام آلاف الشباب من أجل الخروج من «مأزق التخلف» الذي يعيشه العرب والمسلمون.

كأنه يدعونا أن نتعلم من تجارب النجاح لدى الآخرين والإقتداء بالتجارب الصناعية والإبداعية العملاقة بعيداً عن تهمة «التبعية» و«العمالة للغرب» التي روج لها طويلاً بعض من أراد لنا العزلة والإنغلاق كلما جاء حديث عن أهمية الحوار مع «الآخر» أو الإستثمار في تجارب النجاح والتميز العالمية.

وبعدها بأيام يتلقى الرجل إتصالاً مؤثراً من فتاة ليبية ممن تعرضن «لحُقن الإيدز» في القضية الشهيرة بليبيا، وكانت تثني على خطاب الشيخ الذي ساعدها على الصبر والصمود في وجه ذلك المرض اللعين. ولم يغفل العودة أو يتجاهل مسؤوليته كمثقف وإنسان فاعل في محيطه فدعى، بتعقل وموضوعية، لإصلاحات سياسية تتناسق مع الحاجة الآنية لمزيد من المشاركة والشفافية.

هكذا يمكن للخطاب الديني أن يصبح أداة إيجابية من أدوات النهضة والبناء والحياة خاصة وأن قطاعات واسعة من المجتمعات العربية والإسلامية ما زالت مرتبطة، بأشكال مختلفة، بثقافة متدينة أو محافظة يمكن أن يكون «الخطاب الديني» من أقوى محفزات التغيير في محيطها.

وهكذا يقدم الشيخ العودة أنموذجاً مختلفاً لكيف يمكن توظيف هذه العاطفة الدينية الأصيلة في مسيرة البناء والنهضة من غير قلق أن تتصادم هذه المسيرة مع قيم الناس أو عقائدها. لقد تأخرنا كثيراً في تجديد خطابنا الديني والخروج به من حالة الإغراق في «الحلال» و«الحرام» إلى دور بناء في التنمية الإنسانية الحضارية،

مهمة عاجلة لن يتصدى لها سوى نماذج واعية بمآزق الأمة وحاجتها للإنطلاق، بقيمها ومفاهيمها، نحو المستقبل. وهنا لابد من التذكير بأن المستقبل القريب يحمل مفاجآت خطيرة وتحديات حقيقية لن يصمد أمامها غير المحصن بالعلم وثقافة الإنجاز والمنافسة والإبداع.

الشيخ العودة، في خطابه الرمضاني، يضفي أيضاً وجهاً إنسانياً، كان مٌغيباً، على خطابنا الديني ليس فقط بتعامله المباشر والتلقائي مع قضايا الناس وهمومها ولكن أيضاً بعفويته وإبتسامته وبساطته. لكنني هنا أدعو الشيخ سلمان العودة أن يتفهم لماذا يتساءل البعض، أسئلة مُلغمة بالشك وسوء الظن،

حول «مصداقية» خطابه الجديد خاصة وهو يؤسس لخطاب ديني مختلف بعد عقود طويلة من هيمنة خطاب أحادي مليء بالتشاؤم وحذر شديد من أي فكرة جديدة أو مختلفة. وسلمان العودة نفسه مر بتجربة ثرية في مسيرته لا بد أنها قد أكسبته قدرة على فهم ردود أفعال الناس تجاه أي موقف مختلف أو فكرة غير التقليد.

لقد سمعت أسئلة كثيرة حول سلمان العودة من مثل: أهو فعلاً يتبنى خطاباً جديداً ومختلفاً عما قبل أم أنه ليس سوى مناور سياسي محترف قد ينقلب على هذا التوجه في أي لحظة؟ هل الرجل فعلاً يتبرأ من أفعال القاعدة وخطابات بن لادن أم أنه فقط يبحث عن طريق يمكنه زيارة بعض الدول الأوروبية؟

أم أنه يبحث عن مزيد من الأضواء (و كأن الرجل في حاجة لمزيد من الظهور)؟ ولهذا اقترحت على بعض المشككين في خطاب سلمان العودة أن نؤسس علم جديد نسميه «علم النوايا» ندرس به نوايا الناس ونمتحن عبره نية الشيخ سلمان العودة ومقاصده ومخططاته!

للتغير والتجديد دائماً ضريبة تُدفع. ولكل فكرة جديدة معارضون ومشككون. والخروج من «قفص» التقليد وعقلية «الله لا يغير علينا» مسيرة طويلة وأحياناً مؤلمة. لكن المأزق الحضاري الذي نكاد نغرق فيه الآن يتطلب مواقف شجاعة لا تهادن ولا تجامل أو تساير من أجل «جبر الخواطر» أو البقاء في دائرة «المرضي عليهم».

والتاريخ يخلد أولئك الذين يستشرفون المستقبل ويهيئون مجتمعاتهم لمواجهته بتحد وتفوق. وفي ظني أن الشيخ سلمان العودة، بخطابه الجديد، يهيئ لظهور «مُجدد» حقيقي ربما أعطى فرصة ثمينة للخطاب الديني المستنير أن يصبح عملياً واحداً من أهم مقومات النهضة والحضارة ومنقذاً من مأزق التخلف والجهل والانغلاق.

مستشار إعلامي سعودي مقيم في دبي

hattlan@post.harvard.ed