الخلافات في واشنطن، حول العراق، ليست جديدة. خاصة بين البيت الأبيض والكونغرس. وبالتحديد بعد أن صارت الأغلبية في هذا الأخير، بيد الديمقراطيين خصوم الرئيس بوش. الجدل دائر من البداية، ثم احتدم أكثر فأكثر مع تزايد الانسداد وغياب الانفراج، الأمني والسياسي.

سيناريوهات عديدة كانت ولا تزال في التداول؛ حول سبل وصيغ الخروج من الورطة العراقية: عسكرية ـ أمنية ودبلوماسية داخلية وإقليمية. ومن ضمنها ولو على نطاق محدود، سيناريوهات التفكيك والتقسيم. لكن ولا مرة طرحت هذه الأخيرة خارج إطار المداولات، السياسية والإعلامية، في سياق البحث عن صيغة لوقف النزف.

اليوم، يغادر مثل هذا المشروع ساحة التداول ليدخل ساحة أهم مؤسسة رسمية أميركية، بعد البيت الأبيض: الكونغرس، رئيس لجنة الشؤون الخارجية في مجلس الشيوخ، السيناتور بايدن ـ وهو مرشح ديمقراطي للرئاسة ـ تقدم بمشروع قرار إلى المجلس للتصويت عليه، يدعو فيه إلى تقسيم العراق إلى ثلاثة كيانات، كردية، سنية وشيعية. يزعم، أن خروج القوات الأميركية من العراق غير ميسور إلا من خلال هذا المدخل؛ وأن هذا البلد غير قادر بعد الآن على العودة والتماسك ككيان واحد.

القرار، حتى لو نال غالبية الأصوات، يبقى غير ملزم للرئيس بوش. بيد أن ذلك لا يعني أن مثل هذه الخطوة لا قيمة لها، لاسيما وأن مصادر الإدارة تقول إنه لن يكون لها أي تأثير على استراتيجية الرئيس في العراق.

في الواقع هو تطور له دلالات هامة وخطيرة، لا يستهان بها. صحيح أنها محاولة للضغط على الرئيس بوش، لتسريع جدولة انسحاب القوات الأميركية، وصحيح أنها قد لا تكون خالية من الدوافع الانتخابية، لكنها في كل الأحوال نقلة نوعية في التأسيس والمأسسة لتقسيم العراق،

وبذلك يكون المشروع قد دخل مرحلة التسويق الرسمي، خاصة وأنه يحظى بتأييد عدد من الجمهوريين، في المجلس، فضلاً عن دعم وتأييد أوساط إعلامية أميركية؛ تعمل على الترويج له. يضاف إلى ذلك أنه من المزمع إطلاق حملة دبلوماسية دولية، لكسب دعم دول مؤثرة وجيران العراق؛ لهذه الخطة.

ولا بدّ أن صاحب المشروع يراهن على تزايد ضمور رصيد الرئيس بوش الداخلي، بسبب حرب العراق؛ كما على تصاعد الرفض للحرب والمطالبة بالخروج من المستنقع العراقي. وهو يدرك أن مثل هذه الأجواء تشكل حالة ضاغطة على رجال الكونغرس، في عام انتخابي،

وحملهم على الوقوف إلى جانب مشروعه. الأمر الذي يجعل من هذا الأخير ورقة رائجة. خاصة إذا ما تواصل التدهور الأمني والتعثّر السياسي في العراق، ولم يتحقق التقدم الذي توقّعه الجنرال بتريوس، في تقرير الشهير أمام الكونغرس قبل أسبوعين.

وحتى الآن، الأوضاع الأمنية لا تزال، تقريباً، على حالها. التحسّن الطفيف في بعض المناطق قابله تدهور في مناطق أخرى ـ تزايد الاغتيالات في البصرة وتواصل العثور على الجثث المجهولة، فضلاً عن مسلسل التفجيرات ـ. كما أن أوضاع النزوح لا تزال على تفاقمها. الأرقام تراوحت بين 60 ألفا إلى مئة ألف نازح شهرياً؛ داخل العراق وإلى خارجه.

وسط هذا المشهد، ينتقل مشروع تقسيم العراق من الهمس والتلميح إلى داخل الكونغرس، نقلة ولو رمزية يغلب عليها الطابع السياسي الأميركي الداخلي. لكنها مرشحة في ضوء المعطيات لتصبح جدّية. وبكل حال هي إنذار جديد برسم العراقيين والعرب، علهم يستدركون قبل فوات الأوان.