يبدو أن مقال أمس عن الاستجداء عبر الإذاعات قد أثار حفيظة البعض، كما أنه أثار شجون آخرين، ويبدو أيضاً أن موضوع الفقر، والفقراء في الإمارات صار موضوعاً حساساً جداً لكثيرين منا، وهو كذلك بالفعل.
وحين قلت إن وجود فقراء في أي مجتمع هو ظاهرة إنسانية عادية عبر الزمان، لم أقصد استفزاز أحد، لكن أحد السادة القراء احتج على هذا الاستنتاج مطالباً بتوضيح لعبارة «وجود فقراء في الإمارات أمر عادي» حيث إنه يجده منقصة في حق الإمارات الغنية التي لا يزيد عدد مواطنيها على 800 ألف نسمة!
أولاً فإن تحسسنا من بعض الأوضاع الطارئة لا يعني إلغاءها أو تحاشي الاعتراف بها، ذلك أن مناقشتها في وضح النهار هي الطريقة الوحيدة للعلاج، ووجود فقراء في الإمارات ليس عيباً أو ظاهرة غير عادية، إننا كأي مجتمع فيه الأغنياء وفيه الفقراء وإن كان فقراؤنا أفضل حالاً لأنهم يجدون منافذ لسد احتياجاتهم كالزكاة التي يخرجها الأغنياء، والجمعيات الخيرية، ومساعدات الدولة الرسمية المختلفة.
مع ذلك فإنني لا أبرر الفقر أبداً، ولا أعفي الدولة من مسؤوليتها، فالفقر صنعه هذا التنامي المرعب لغلاء المعيشة في ظل الفوارق الهائلة للدخول والرواتب بين شرائح المجتمع. كما صنعته هذه النزعة الاستهلاكية المتزايدة عند الناس كذلك.
وفي حين يتقاضى المدرس أو المدرسة ـ وهؤلاء من أكثر شرائح المجتمع عدداً ـ ما يقارب الـ 13 ألف درهم يتقاضى موظفون آخرون ما يوازي هذا الرقم ثلاث مرات أو أكثر في حين أن خبرة وشهادة المعلمة ربما تكون أفضل بكثير من ذلك الموظف الذي يعمل في إحدى الدوائر المحلية مثلاً ويعول نفسه فقط، بينما يعول المعلم أو المعلمة أسرة كاملة!
حين قلت إن لدينا فقراء يتزايدون في المجتمع، فإنني قلت أيضاً إن وجود فقراء في دولة غنية، ذات اقتصاد قوي ومليئة بالفرص الكبيرة والمغرية يحتاج إلى دراسة وتأمل وهنا فإن الاعتراف بالظواهر السلبية ليس موافقة على بقائها
ولكنه الإقرار بالواقع انطلاقاً لإثارة الأسئلة والمطالبة بالأجوبة الضرورية، وهذا ما فعله القراء حين طرحوا أسئلتهم حول سبب الفقر أساسا في الإمارات الغنية ذات الداخل الوطني العالي وذات النسبة السكانية المتدنية، وحول مواطنين لا يجدون بيوتاً يسكنونها وتعليماً ذا مستوى راق وخدمات صحية عالية و.. في حين أن بإمكان الإمارات ان تحقق ذلك بإمكانياتها الهائلة!
لم أطالب بسد باب التعبير عن معاناة البعض عبر الإذاعات كما ذكر أحد القراء، لكنني أقول إن الحصول على الخدمات الضرورية التي يتوجب على مؤسسات الدولة توفيرها للمواطنين يجب أن يتم بطرق مؤسساتية صحيحة، فالمسكن له قنوات توفره للمواطن
وكذلك المساعدات المالية، والتعليم والعلاج و.. بغض النظر عن وجود تقاعس أو تأخير أو عدم مساواة، إلا أن ذلك لا يعفي هذه المؤسسات من دورها تجاه المواطن بأي حال من الأحوال ولا يجب أن يكون الإهمال والتقاعس دافعاً للاستجداء عبر الإذاعات.
هناك جهات حكومية معنية بحكم وظيفتها وبحكم الدستور وبحكم المنطق أن تقوم باحتياجات الناس وهناك مجلس وطني وصحافة وسلطة عليا مسؤولة عن الضغط والمراقبة والمتابعة، لكن بعيداً عن منطق الاستجداء، يستجدي من لا حق له، أما صاحب الحق فيطلبه بقوة وبشكل مباشر!.
