خبر مختصر تناولته وسائل الإعلام خلال الأيام الماضية حول موافقة البرازيل على استقبال دفعة أولى تضم 35 لاجئاً فلسطينياً، في انتظار اكتمال وصول الباقين من أصل 117 لاجئاً معظمهم من الأطفال والنساء كانوا يقيمون في مخيم الرويشد على الحدود الأردنية العراقية.
منذ أن اضطرهم الغزو الأميركي للعراق وأجبرهم على الهرب بأرواحهم من جحيم ديمقراطية الفوضى وحرية الموت والدمار وسيادة القتل العشوائي وجنون الجهل والتعصب التي جلبتها أميركا إلى العراق وأذكت نيرانها بين أهله وفي جواره.
الخبر لم يتم إبرازه أو التركيز عليه إعلاميا، وعومل كأي خبر عادي لا يستحق أكثر من حيز هامشي في صفحة داخلية أو زاوية ضيقة في موقع الكتروني، والبعض تجاهله كليا ولم يجد فيه ما يلفت النظر أو يثير الاهتمام!
ولمً الاهتمام؟ فمأساة الشعب الفلسطيني الممتدة نحو قرن من الزمان، أصبحت شيئا روتينيا بل ومملا في نظر الكثيرين، كما أنها لم تعد المأساة العربية الوحيدة بعد أن باتت تنافسها مآسٍ أخرى في العراق وفي السودان وأزمة مزمنة في لبنان.. والباقي كثير والآتي أعظم إذا استمر الانزلاق المتسارع في ذات المسار.
أما حصار القهر والتجويع الذي يتعرض له أكثر من مليون ونصف المليون إنسان عربي مسلم في قطاع غزة، بمشاركة الجميع أو صمتهم، فتلك مأساة من نوع آخر أكثر تطورا وملاءمة لعصر العلم والتكنولوجيا والفضاءات المفتوحة!
العرب لا تنقصهم الموارد المتنوعة والثروات الضخمة، ولا المساحات الواسعة من الأراضي الممتدة عبر اكبر قارتين من قارات العالم، لكن المشاعر تبلدت والهمم أجهضت وأصبح العربي مطاردا في وطنه باحثا عن ملجأ أو مأوى يؤويه!
لقد شاع في العقود الأخيرة مصطلح «هجرة العقول العربية»، تعبيرا عن ظاهرة المهاجرين العرب من العلماء والمفكرين وأصحاب المواهب والخبرات، الذين اضطروا لترك أوطانهم العربية والهجرة إلى مواطن أخرى توفر لهم حدا أدنى، على الأقل، من الأمن والاعتبار لحقوق الإنسان وكرامته،
والظاهر أن القيم التي اشتهر بها العرب زمنا، كالكرم والشهامة وعزة النفس، حذت هي الأخرى حذو «العقول» ولم تعد تجد لها مكانا بين عرب اليوم أو في أرضهم. ولا يغير من ذلك وجود استثناءات تشع ضياء، لكنها محفوفة بالظلمة ومقابر الضمير والمشاعر الإنسانية.
لكن أرضا غير عربية وغير إسلامية احتضنت هذه القيم ورعتها، فوفرت الملجأ والمأمن لهؤلاء اللاجئين من العرب المسلمين الذين لم يجدوا في الأوطان العربية والإسلامية من يستجيب لاستغاثاتهم أو يلتفت إلى محنتهم التي استمرت أربع سنوات متتالية من المعاناة، في وضع مأساوي «بين خرائب مخيم منعزل عن الحضارة» حسب وصف أحد التقارير الإعلامية.
«الكرم البرازيلي»، وليس «الحاتمي» هذه المرة، فتح أبواب الأمل أمام هؤلاء العرب النازحين، بعد أن سدت في وجوههم أبواب الدول العربية، بما فيها تلك التي يحمل بعضهم وثائق رسمية هي التي أصدرتها!، البرازيل لم تتوقف عند هذا الحد، ولم تكتف في هذا الموقف النبيل بمجرد الاستقبال والإيواء،
بل قررت منح اللاجئين إليها هويات برازيلية تتيح لهم «التمتع بالحقوق والواجبات نفسها على غرار أي مواطن برازيلي»، وفوق ذلك سيتلقون دروسا باللغة البرتغالية (لغة البلاد الرسمية) طوال سنة لتسهيل اندماجهم في المجتمع، كما أنهم سيحصلون على مساعدة مالية شهرية إلى أن يتمكنوا من الاستقلال ماديا.
ربما كان البعض يعتقد أن البرازيليين كرسوا كل وقتهم وجهدهم للمجال الرياضي الذي أبدعوا فيه، غير أنهم أكدوا أيضا إبداعهم في كرم الضيافة والتمسك بالقيم الأخلاقية النبيلة، كما هم مبدعون في مجالات عديدة أخرى صناعية واقتصادية،
حيث ان البرازيل التي تشتهر بالبن المتميز وتعتبر اكبر مصدر للبرتقال في العالم، تنتج وتصدر كذلك الطائرات والسيارات إضافة إلى إنتاج الصواريخ وتصنيع الدبابات والغواصات، فضلا عن برنامج نووي متقدم يجري تطويره باستمرار.
تفوق علينا البرازيليون في كل شيء، من لعبة الأقدام إلى علم الذرة، وهاهم يتلقفون آخر ما كان لدينا من بقايا مناقب وخصال تراثية تخلينا عنها طواعية وقطعنا، على ما يبدو، كل صلة تربطنا بها، ولو في المشاعر والوجدان.أيها البرازيليون، شكرا لكم.. لقد أخجلتمونا، إن كانت لا تزال فينا بقية احياء، لكن حتى هذا يبدو أننا قد فقدناه!