قالت لي إحدى صديقاتي إنها لسبب ما ذهبت إلى إحدى الوزارات في الدولة، وإنها حين خرجت من المصعد إلى الطابق الأخير في المبنى الذي كان من المفترض أن تلتقي فيه أحد المسؤولين، وأخذت تنتقل بين المكاتب فوجئت بعدد الأجانب من ذكور وإناث، يجلس كل واحد منهم على مكتبه ينظر في جهاز الحاسوب، أو ينقر نقرات متتالية على لوحة المفاتيح في هيئة من انفصل عن المكان انفصالا تاما.

وأصبح مستلبا للشاشة التي أمامه استلابا تزيد شعور الناظر إليهم بأنهم نبت غريب مدسوس في تربة ليست تربتهم.. «لقد شعرت بالوحشة ووددت أن أنهي ما جئت من أجله لأخرج بسرعة من هذا المكان». كانت هذه جملتها التي ختمت بها كلامها. قد يكون تصويرها للمشهد محمّلا بشحنات عاطفية تستند إلى معطيات ثقافية معينة نشأ عليها عدد كبير من أفراد المجتمع،

هؤلاء الذين لم يستطيعوا أن يتحرروا من الرؤية النمطية للآخر المختلف، فهو منبثق من عالم آخر قد يقع في موقع الضد أو النقيض، وقد يكون محملا بموروثات ثقافية مغايرة، ومعجونا بتصورات فوقية تجعله ينظر إلينا نظرة المستعلي المستوفي لشروط الحضارة كما تسنها قوانين الحياة اليوم، الممتلك لعناصر القوة والسلطة والمعرفة، وهو بهذا يشعرنا بالتقزم أحيانا، ويعمق فينا إحساس عدم الألفة والوحشة.

وقد يكون حضورهم الطاغي كما وصفته في مؤسسة يفترض بها أن تردد جدرانها أنفاس أبناء الوطن ولغتهم سببا آخر لتساؤلها وحيرتها وانقباضها. وقد تكون هناك أسباب أخرى لا نستطيع أن نأتي عليها ونعددها. ولكنّ هذه الظاهرة التي أخذت تنتشر في كثير من الدول تجعل المرء يتأملها ويحاول أن يتبين أبعادها الإيجابية والسلبية منها.

إنها ظاهرة الخبراء الذي أصبحوا مبثوثين في معظم المؤسسات بحجة الاستفادة مما وصلوا إليه في مجال تخصصهم من معرفة وعميق خبرة تؤهلهم ليأخذوا بزمام التطوير ورسم السياسات والخطط التي من شأنها أن تحقق للجهة المستفيدة قفزات تاريخية في سباق التقدم وامتلاك شروط السبق في كل المجالات الحياتية المختلفة.

والاستعانة بالخبرات والاستفادة من تجارب الآخرين الذين قطعوا أشواطا طويلة في مختلف مجالات المعرفة والفكر والعلوم أمر مشروع، لا يغضي من أهميته عاقل، ولا يجادل في ضرورته أحد. فالأمر من حيث المبدأ مقبول، ولا غضاضة في أنْ نشرّق ونغرّب من أجل أن نضمن حصولنا على خلاصة ما وصل إليه الآخرون بعد تجارب طويلة ومعترك خصب تتوالد فيه المعارف، وتنكشف الحقائق، وتتنامى فيه العلوم.

هذا المناخ الذي ما زال قابعا في منطقة الحلم عندنا، فإذا خطونا نحو الواقع انكشف عن وجه آخر لا نزال نسير فيه على غير هدى واضح، ولا طريق مستبين. إننا نريد بشدة أن نسقط الحلم على الواقع، وأن نضفي على حياتنا شيئا من مذاق التقدم الحلو اللذيذ،

بل إننا نتعجل ذلك ونسابق الزمن، الزمن الذي أصبح يقاس بأجزاء الثانية، فكيف لنا ذلك إلا بأن نختصر المسافات ونختزل المهمات ونطوي الفواصل بيننا وبين حلمنا بخطوات متسعة كبيرة؟ والاستعانة بالخبراء من العالم الآخر المصدِّر لمنابع المعرفة الحديثة كفيل بأن يحقق لنا ما نرومه من مسابقة الزمن واختصار المسافات.

ولا شك أنّ هذه الرؤية فيها من الحكمة ما فيها، فهي رؤية عملية واقعية تتمتع بقدر كبير من المرونة وبعد النظر، وتماشي العصر، وتلبي احتياجات المجتمع الآخذ بشروط التقدم. ولكن القضية لها بعد آخر يستحق التأمل وإعادة النظر، فليس الأمر في مبدأ الاستعانة بالخبراء، ولكنه متعلق بالدرجة الأولى بالكيفية، كيفية الاستفادة منهم، ومدى المساحة المتاحة لهم، وحدود الحرية المعطاة إليهم.

فهل باب الاستعانة بهؤلاء مفتوح على مصراعيه لا تحده حدود ولا تقيده قيود؟ وأين هو موقع أبناء المجتمع؟ وما دورهم في التطوير والتخطيط والبناء؟ ولا أقصد هنا أولئك القادرين على ممارسة المحسوبية، ولا الذين بيدهم زمام الأمر بحيث يعطون ويأخذون بحسب ما يرونه مناسبا لمصلحتهم، ملمعا لصورتهم، سائرا باتجاه تثبيتهم على كرسي المنصب.

ولا أولئك الذين يحترفون الصمت، وغض الطرف، فيتقلص عملهم في التوقيع على القرارات من دون أن ينبسوا ببنت شفة تعكس لهم موقفا أو تعلن عن رأي مستقل أو تنبئ عن جرأة وإخلاص وبعد نظر. إنّ الكثيرين يشعرون بالإقصاء والإبعاد لا لشيء

إلا لأنهم قد لا يظهرون قبولا كاملا للرؤية التي يتبناها هؤلاء الخبراء، ويعلنون رفضهم لبعض ما قد يطرحونه من أفكار يرونها تفتقر إلى الالتحام بتربة المجتمع، وتتجاهل امتداداته في التاريخ وارتباطه بخصوصيات ثقافية ومعرفية لا يمكن تجاهلها أو إسقاطها من أي مشروع حضاري كبير.

وهذا الإقصاء ينبئ عن سيطرة رؤية أحادية تستمد قوتها مما أتيح لها من سلطة، وما أعطي لها من حقوق، على الرغم من أنّ كثيرا من المسائل التي يناط أمرها للخبراء هي مسائل خلافية بالدرجة الأولى، وتلامس تخوم الخصوصية التي يتمتع بها المجتمع، وتحتاج إلى أن يحافظ عليها، وتكون خالصة لأبنائه ينظرون فيها نظرتهم، ويعملون فيها فكرهم.

يحضرني في هذا السياق ما أشار إليه إدوارد سعيد وهو يعدد الضغوط التي قد تواجه إبداع المثقف وإرادته؛ إذ يذكر أنّ «الخبرة وعبادة الخبير المُجاز هما أكثر الضغوط الجدية في عالم ما بعد الحرب. لتكون خبيرا يجب أن تكون مُجازا من قبل مراجع معروفة، يرشدونك لتكلم لغة سليمة، والاستشهاد بالمراجع الصحيحة، والعمل في المنطقة المناسبة.. لا سيما عندما تكون حقول من المعرفة حساسة أو رابحة في وضع حرج».

وواضح أنّ المرجعية المعتمدة التي تمنح الخبير الإجازة، وتعطيه الحق في مزاولة مهنة الخبير هي مرجعية وحيدة، وهي التي تسيطر اليوم على العالم، وتصدر له أفكارها ومبادئها وتصوراتها وخبراءها. وحتى لو كان هؤلاء الخبراء من بقعة أخرى من الأرض، فإن صفة «الخبير» لا تمنح لهم إلا إذا نهلوا من منابعها، وتشربوا لغتها، وأصبحوا من سدنتها المنافحين عنها المبشرين بمبادئها.

فكيف لغيرهم أن يزاحموهم؟ وأنى لهم أن يستفاد من خبرتهم التي يسندها الإخلاص والضمير الحي والترفع عن المكاسب المادية والتعفف عن التمسح بالأسياد وهي لم تختم بختم تلك المرجعية، ولم تنل اعترافها ولم تحظ منها بالقبول؟.

جامعة الإمارات

ibrahim@yahoo.com