أقصر الطرق للوصل بين نقطتين هو الخط المستقيم، وأقوى نقطة فيه هي نقطة المنتصف، بينما تضعف القوة كلما اتجهنا إلى أقصى الطرفين، ومن يقف في المنتصف دائما هو في الموقع الأقوى والأقدر على الحركة في الاتجاهين معا، هو يستطيع أن يرى الطرف الأيمن والأيسر بنفس الوضوح.

بينما من يقف في أقصى اليمين أو اليسار لا يستطيع أن يرى الطرف الآخر بوضوح، في حين يستطيع الطرفان رؤية من يقف في الوسط بنفس الوضوح، ومن يغادر منطقة الوسط إلى أقصى اليمين أو إلى أقصى اليسار، يتطرف يمينا أو يساراً، فالتطرف هو الاتجاه إلى أحد طرفي الخط المستقيم بعيداً عن نقطة المنتصف.

إذا ركب ثلاثة أشخاص قاربا لعبور النهر يكون الأكثر أماناً هو الجلوس في منتصف القارب ليمسك الأيمن بالمجداف الأيمن والأيسر بالأيسر، بينما من يجلس في الوسط هو الذى يمسك بالدفة ويقود القارب ولو من المقعد الخلفى.

بلا طرف أيمن يختل توازن القارب فيميل إلى اليسار، وبدون طرف أيسر يختل التوازن فيميل إلى اليمين، وبدون اليمين واليسار يتوازن القارب بشخص واحد يجلس في المنتصف، لكنه وحده لن يقدر على تحريك وتوجيه القارب بالسرعة والدقة اللازمة لمسافة طويلة بدون مساعدين يحركان القارب بالمجاديف، ويوجه هو القارب بالدفة.

التوازن والأمان والقوة هو في العمل الجماعي مع قائد يوجه المسيرة، ولكن بالتكامل في الأدوار، والتوازن في القوى، مع الاختلاف في المواقع والتوجهات.. والقائد دائما يلزم أن يكون في الوسط للبقاء على مسافة واحدة من الأطراف.

نظرية التوازن هذه تحكم كل علاقات الحياة.. توازن الأثقال وتوازن الفراغ، وتوازن السهول والجبال، والبحار واليابسة، وينسحب هذا التوازن على المجتمعات، وعلى الطبقات، وعلى العلاقة بين الحريات والمسئوليات، وبين المسئوليات والسلطات، وبين السلطات والسلطات، فلا مسئولية بلا حرية في الاختيار ولا حرية في الاختيار بلا مسئولية عن القرار، ولا مسئولية بلا سلطة،

ولا سلطة بلا مسئولية، ولا مسئوليات أو محاسبات دون تكافؤ وتوازن في المسافات التي تفصل بين السلطات، وتوازن المجتمعات لا يتحقق إلا بتوازن الطبقات الثلاث العليا والوسطى والدنيا، الطبقة الوسطى دائماً هي صمام الأمان وهي رمانة الميزان في التوازن الاجتماعي وإذا غابت انقسم المجتمع إلى طبقتين ونشب الصراع بين الأغنياء والفقراء.

وتوازن قوى الأوطان لا يتحقق إلا بالفصل وبالتساوي والتوازن بين السلطات الثلاث التنفيذية والتشريعية والقضائية بحيث تراقب كل سلطة من جانب السلطتين الأخريين وتمنعها من التغول على حساب الآخرين.

والتوازن السياسي في كل مجتمع يتمثل في السماح بحرية الوجود والتعبير والمشاركة السياسية للتوجهات الثلاثة اليمين والوسط واليسار، وإقصاء طرف واحد يجعل القارب الكبير يميل ميلا كبيراً، والشبه كبير بين حرية الآليات الاقتصادية دون احتكار لسلعة يلغى هذه الحرية وبين حرية التيارات السياسية دون احتكار لسلطة تصادر هذه الحرية، لكن الحرية السياسية هي التي تفرض التوازن بالآلية الطبيعية..

بالحرية سيجد كل تيار منهم نفسه في النهاية وسط بين جناحين أيمن وأيسر وهذا ينتج تلقائيا، فلا يوجد مجتمع لا تتشكل قواه السياسية من هذا التشكيل التساعى تحت كل الأسماء، والسماح لها جميعا بالوجود والمشاركة هو وحده الذي يحفظ توازن المجتمع

ويدفع آليات حركته بالتنافس الحر الشريف إلى الأمام، والقاعدة الذهبية في العمل السياسي هو اتخاذ موقع الوسط، لكنه ليس الوسط الثابت ولكنه الوسط المتحاور مع الأطراف، والمتحرك بايجابية باتجاه الخيارات الصحيحة لقضايا المجتمع سواء كانت على يمينه أو صدرت من على يساره.

الوسط غالبا على هذا النحو، هو الذى يملك في الغالب قاعدة شعبية أعرض من كل الأطراف، وهو الأكثر تأثرا وتأثيرا مع الأطراف كلها، والأكثر قدرة على التحاور والتحالف مع اليمين أو اليسار، بينما يتعذر حدوث هذه العلاقة بين اليمين واليسار الذي لا علاقة بينهما

سوى المواجهة وليس الحوار، في كل الأحوال يبدو أن مركز التوازن والتوجيه والقوة دائماً هو في منطقة الوسط، لكن لا وسط إلا بين نقطتين يمنى ويسرى، وإذا لم يكن هناك وسط فكيف يمكن أن يكون هناك يمين أو يسار؟!

.. ربما من أجل هذا قالوا:(خير الأمور الوسط ).

mamdoh77t@hotmail.com