هناك زلزال يتلمسه المفكرون العرب في كتاباتهم ونقاشاتهم حول الدولة العربية والايديولوجيا العربية كأنها شيء آخذ بالتغير،و سوف نحاول التطرق لهذا التحول في هيكل الدولة والحاجة لأيديولوجية عربية جديدة.

كتب في ذلك د. صالح سليمان (البيان 14/ 9/ 2007 مأزق الايديولوجيا وأيديولوجية المأزق) والتي أوضح فيها بأنه لا توجد ايدولوجيا عربية واضحة تكمن في تشكيل مشروع قومي واضح وناجح وكتب كذلك أن كل ايديولوجيا «هي تعبير عن رؤية ما للعالم.

كما إنها تعبير عن طموحات ومشاعر وانتماءات معينة»، فهل نستخلص من هذا التعريف أن هناك مصالح مشتركة (عربية) تحت مظلة ايدولوجيا عربية تدفعها نحو اتجاه أو اتجاهات مختلفة؟ وما هو الترابط بين هذا ومفهوم الدولة العربية؟

من الطبيعي أن تكون هناك آلية لهذه الطموحات والمشاعر، وهنا تكمن الحاجة للدولة لتفعيل هذه المصالح المشتركة، ومن أهم التعريفات للدولة أنها جزء من الواقع الاجتماعي مبني على العلاقات الاجتماعية وصادر من ظاهرة اجتماعية،

والمفكرين الذين كتبوا (جانكنس، وايت، ودول) في هذا الصدد يرون أن هذا الطرح (مفهوم هيكل الدولة ما بعد الحديثة) وهو لا يأتي برؤية واحدة عن الدولة، حيث هناك مدارس مختلفة تخوض في ماهية الدولة، إلا أن المفهوم الاجتماعي للدولة هو الأكثر تأثيرا.

والطرح أعلاه يصف الدولة كمجتمع طبقي، الطبقة الحاكمة، المفكرين، التجار، التكنوقراط ... والدول الغربية بطبقتها الحاكمة والمؤثرة على الحكم تضع الرأسمالية (الايديولوجيا) نصب أعينها وتنفيذها باستخدام البراغماتية لتحقيق مصالحهم المشتركة،

وعموماً ومهما كانت الايدولوجيا فهناك محرك واحد فقط في المذهب الاجتماعي للدولة وهو الذي إن وجد تحققت طموحات ومشاعر تلك الدولة، ألا وعقيدة العمل لذلك المجتمع/ الدولة وخير مثال لذلك هو خروج ألمانيا واليابان من دمار الحرب العالمية الثانية إلى ما هما عليه الآن، أليس نحن مأمورين «أعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله....» عندها كان العرب أسياد الحضارة الإنسانية، وعلى هذا فإن الايديولوجيا يجب أن تصب في مفهوم العمل المنجز.

إذاً ما ينقصنا لبناء أيديولوجية عربية هو تضمين عقيدة العمل في النسيج الاجتماعي العربي والذي يعاني أصلا من البطالة المقنعة وهذه المستويات المرتفعة من البطالة تشكل بؤرة خطر اجتماعية وسياسية على المستويين الإقليمي والعالمي، وأما الجزء الثاني الذي لم يتطرق له الكثير من المفكرين هو تفعيل هذه الأيديولوجية بمعنى «أين براغماتية العرب» في المعادلة «المصلحة المشتركة»، إذا كانت هناك مصلحة كان هناك عمل.

أما الربط الثالث فهو يتعلق بالدولة العربية، فهي كمفهوم اجتماعي قبلي تشكلت على مرّ عقود من الزمن إلى تركيبة اجتماعية متعارف عليها فيما بينهم من مسئوليات وواجبات بين حاكم ومحكوم بين مشايخ وعوائل كل له مركزه المؤثر في المجتمع والدولة ككل، إن هذه التركيبة الاجتماعية الحاكمة نزعها المستعمر عند خروجه في الكثير من الدول العربية

لتصبح دولة العسكر وليست دولة المجتمع، دولة السيطرة والتنظيم وليست دولة الاقتصاد والبناء، إن التسلط والسيطرة هما من كينونة الدولة في التعريفات المختلفة للدولة، إلا أنها في الجانب الآخر عليها أن تلبي المصالح المشتركة لشعبها أو لشعوبها عند النظر إلى الدول العربية ككل.

إن من أخطر ما يجرى الآن هي التحولات في الدولة الحديثة كما نعرفها ومدرسة التحول التي ترى بأن الدولة الحديثة كمفهوم آخذ في التراجع وإننا نشهد نهاية ما يسمى بالدولة المركزية التي نعرفها، وهذا التحول في الدولة خاضع للأمور الاقتصادية «العولمة»

مما يؤدي لضغط على التحول السياسي نحو تعددية الحكم (المؤسسات الدولية وغير الدولية NGO تقلل من الثقل السياسي للدولة في التجمعات الدولية) وكذلك تعطي بعض الدول ثقلاً أكبر المانيا وفرنسا «الإتحاد الأوروبي».)

وأيضا التحول الذي يحدث على استقلال الدولة «البنك المركزي الأوروبي» (The .state, Colin Hay 2006) ويضيف المصدر أعلاه بأن الدولة ما بعد الحديثة تتجه إلى نظام الحكم المتعدد والمواطنة الفوقية، فعلى سبيل المثال «انا عربي من....» أنا أوروبي من....

وهذا سيساهم في التحول إلى الولاء الجماعي بعيداً عن الدولة، وأخيراً فإن التكامل الاقتصادي العميق يجعل الدولة في ارتباط اقتصادي خارج حدودها مما يجعلها أقل اعتماداً على نفسها عما كانت عليه بالسابق، هل هذا ما سيشهده العرب من تحولات عميقة في دولهم خلال السنوات القادمة؟

وتذوب فيها الدول وتخرج منها المواطنة العربية (مجلس التعاون) إن أفضل الأمثلة هو شتات العرب الذي يرى نفسه أميركياً عربياً أو فرنسياً عربياً.. إنه حقاً نموذج لانصهار الشخصية العربية في قالب واحد، فهل هذا مسار الشخصية العربية؟

عادة ما تأتي الأيدلوجيات لتحارب وتصارع وضعاً معيناً، فالقومية العربية أتت لمحاربة التتريك والرأسمالية ضد الإقطاع والاشتراكية تصارع الرأسمالية، إننا العرب نحتاج إلى ما يجمعنا، فدولنا في حالة تحول على مختلف الدرجات بسبب الضغوط: خارجية «سياسية» وداخلية «اجتماعية/ اقتصادية» وهي الآن في طور جديد من التعاون فوق الإقليمي تتمثل في مشاريع وليس برامج،

(من أشهرها وقف صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد المكتوم للتنمية العربية)، إنها ظاهرة جديدة في تاريخ العرب والدولة العربية، فهل نطلق عليها اسم «المشاركة العربية» التي ستقوم بإعادة توزيع الثروة العربية بتبني المشاريع المختلفة للارتقاء بالعرب نحو مجتمع فعال متعلم له مقاييس اجتماعية مرتفعة (صحة، بيئة، دخل..) ونلصقها إلى أختها «القومية العربية» لتكون رديفتها للقرن 21؟

كاتب إماراتي