صارت كاللازمة في الأغنية: كلما التقى الرئيس بوش مع الرئيس الفلسطيني، أو كلما جاءت الوزيرة رايس إلى المنطقة، تلعلع من جديد عبارة «رؤية الدولتين»! لكثرة ما ترددت باتت خاوية أو مرادفة لعبارة »شراء الوقت». طرحها الرئيس بوش منذ بداية ولايته الأولى. ومن يومها وهي محفوظة في الثلاجة. لا حياة ولا حراك. يجري استحضارها فقط في اللقاءات. إمّا للتذكير وإما للتخدير.
أمس الأول تكرر المشهد، مرة أخرى. في لقائه مع الرئيس الفلسطيني، على هامش الدورة العادية للأمم المتحدة في نيويورك، جدد الرئيس الأميركي، جورج بوش، اعتقاده بإمكانية «تحقيق رؤية الدولتين»! مضيفاً، كالعادة، بأن الولايات المتحدة الأميركية سوف «تساعد في تحقيق هذا الهدف».
كلام جميل. فالدولة الفلسطينية مطلب وضرورة. والمساعدة الأميركية مطلوبة ولازمة. لكن كيف ومتى؟ لقد دأبت إدارة الرئيس بوش على ترديد هذه المعزوفة، في كل تحركاتها الفلسطينية ـ الإسرائيلية. جاءت بها كرؤية. ثم طرحتها في «خريطة الطريق». وبعدها سقطت في غيبوبة.
في غضون ذلك تركت الساحة لإسرائيل لكي تمعن فيها قتلاً وتدميراً ومصادرة أراضٍ، وجعل الحياة الفلسطينية جحيماً. إلى أن انتهى الصراع الفلسطيني ـ الذي ساهم في تعزيز مكاسب إسرائيل ـ إلى حاله المعروف من انقسام بين الضفة وغزة، والذي يأخذ الآن طابع التقسيم، للأسف. تحت ضغط التعثّر الأميركي في العراق. وبعدما فات الزمان على «خريطة الطريق»، أخرج الرئيس بوش من جعبته فكرة «مؤتمر السلام» الجديد. وتحدد انعقاده في نوفمبر المقبل.
وفي الأيام الأخيرة نشطت الدبلوماسية الأميركية في هذا الاتجاه. جاءت الوزيرة رايس إلى المنطقة لتسويق جديد الإدارة، وتوالى التنشيط في نيويورك. اللجنة الرباعية استيقظت من نومها العميق وعقدت اجتماعاً لها. كما عقد الرئيس بوش اجتماعاً مع نظيره الفلسطيني. ومرة أخرى يجري تضمين «الرؤية» البوشية حول الدولتين، للتحرك الجاري.
الوزيرة رايس تقول: إن مؤتمر الخريف سيكون برسم الدولة الفلسطينية، بالإضافة إلى تناوله للمواضيع الجوهرية والقضايا الخلافية الرئيسية العالقة. الرباعية، في نهاية لقائها، أعربت عن دعمها للمؤتمر الدولي.
إذاً جرى ترحيل موضوع الدولة إلى المؤتمر. لكنه مجرد ترحيل، قد يكون الغرض منه تأمين حضور واسع في لقاء واشنطن. انعكس ذلك في التحفظات العربية العديدة، التي لا تزال تنتظر المزيد من التوضيحات. خاصة وأن الكلام الإسرائيلي يواصل الرقص على الغموض والتصريحات القابلة للتأويل؛ ناهيك بالتي تستهدف التعقيد والتخريب؛ مثل كلام أولمرت عن القضية يلزمها 30 أو 40 سنة للوصول إلى حلّ.
لكن ذلك أسلوب مألوف ومعروف في الخطاب الإسرائيلي. خاصة عشية اللقاءات والمؤتمرات الدولية أو الموسعة، الخاصة بالنظر في الحلول. لكن علامات الاستفهام الكثيرة والشكوك والخداع والتملّص الإسرائيلية، بل أيضاً الكلام العمومي الأميركي، في كل مرة وهذه المرة بالذات،
رغم ما تحاول الإدارة الأميركية أن تبديه من حماس؛ مثل تشديد الوزيرة رايس على أن «المشاركة في المؤتمر تستدعي المسؤولية»، «وأن المطلوب موافقة المشاركين على الجهود الرامية لإنهاء الصراع»! بيت القصيد هو: هل واشنطن مستعدة للضغط على إسرائيل أم لا؟ من هنا الحل. رايس تعرف ذلك، وكذلك رئيسها بوش.
