تعتمد كثير من مؤسسات الدولة في الخطوات التطويرية التي تتخذها أو في مجالات التغيير الإدارية التي تنتهجها على تقارير دولية، تتضمن آراء مراقبين وخبراء في مختلف المجالات، ولأننا نؤمن بأن بعض هذه المؤسسات البحثية أو التي تقوم بإصدار الأبحاث تطلعنا من خلال تقاريرها أحيانا على ما قد نستفيد منه في قراءة واقعنا وتحليل معطياته وبالتالي التعامل معه كما ينبغي، إلا أننا في الوقت نفسه نخشى أن تقتبس بعض مؤسساتنا كل ما يرد في هذه التقارير مما قد لا يتناسب مع طبيعتنا كمجتمع وكأفراد.

مناسبة حديثنا هذا تقرير نشره البنك الدولي حول «ممارسة نشاطات الأعمال لعام 2008»، وقد أشار هذا التقرير من بين موضوعاته إلى وجود آثار سلبية لحظر الإمارات عمل المرأة ليلا. توقفنا عند هذه النقطة تحديدا التي استوقفتنا لعدة أسباب، أولها أننا لاحظنا في الآونة الأخيرة زيادة عدد السيدات اللاتي يعملن في ساعات المناوبة الليلية، وزيادة الآثار السلبية المترتبة على ذلك.

ولأننا نخشى أن يكون هذا التقرير وغيره من التقارير سببا في اتساع الخرق على الرتق من خلال إتاحة المزيد من فرص العمل للمرأة في الليل، وهو الأمر الذي لا نتمنى فقط عدم زيادته بل نتمنى وقفه والحد منه إلا في بعض المهن لأن ذلك يسبب مشكلات أسرية واجتماعية يدفع مجتمعنا ثمنها غاليا على نحو لا يعوض براتب ولا بعمل تنجزه المرأة في ذلك الوقت.

لسنا ضد عمل المرأة التي أثبتت كفاءتها ووجودها في مختلف المجالات وهي تخدم وطنها ومجتمعها، ولسنا ضد أن تناوب الطبيبة أو من اختارت العمل العسكري في ساعات الليل المتأخرة لأنها تعرف ذلك مبكرا وقبل أول فصل دراسي تحضره أثناء دراستها الجامعية، خاصة وأن هاتين المهنتين تحديدا من المهن التي لا غنى لنا عنها في حالات الطوارئ التي قد يتعرض لها المجتمع.

لكن ما هي الحاجة لأن تعمل المرأة في المناوبة الليلية، وما الحاجة التي تجعلنا نسلم بناتنا وفتياتنا للعمل في ساعات متأخرة والعودة إلى منازلهن في الساعات الأولى من الصباح، ألا نعتقد بأن ذلك سيعيق قيامهن بمسؤولياتهن وواجباتهن الأسرية؟

نرى سيدات يعانين الأمرين بسبب هذه المناوبات الليلية ويشعرن بأن الوظيفة كانت سببا في تعاستهن اجتماعيا، وان كن ماضيات في العمل في تلك الوظائف بسبب الحاجة المادية التي تدفعهن لذلك. فلماذا لا نفكر جديا في التقليل قدر الإمكان من عمل المرأة ليلا لنتجاوز السلبيات التي يتسبب فيها بدل الدعوة لما هو عكس ذلك.

مجتمعنا اليوم وبسبب التنمية التي يشهدها والحاجة إلى مزيد من ساعات العمل التي تضاعف الإنتاج أصبح متجها بغالبيته ان لم يكن برمته إلى زيادة عدد ساعات عمل الموظف في مختلف المؤسسات والدوائر، وهو الأمر الذي قلل مساحة الأسرة في جدول الموظفين والموظفات، وقلص القيام بالواجبات الاجتماعية التي لم نعد نجد الوقت الكافي لها.

التقارير الدولية تجتهد ولكن ليس كل اجتهاد من الضرورة أن يكون مصيبا، لذا علينا أن نأخذ من هذه التقارير ما يتناسب مع طبيعة مجتمعنا وأفراده، مع التفكير في كل الايجابيات والسلبيات والموازنة بينها حتى لا نخسر البنية الأسرية والاجتماعية للبلد وسط تنامي البنية التحتية والعمرانية والاقتصادية.

من السهل الحصول على الأموال وزيادة الثروات، ولكن من الصعب إيجاد استقرار أسري واجتماعي ونحن ننتزع أهم مقوماته. المرأة مهما كانت قدرتها ومهما اجتهدت ومهما أنجزت تبقى لها خصوصيتها حتى في ساعات العمل.

maysaghadeer@yahoo.com